السيد هاشم البحراني

647

البرهان في تفسير القرآن

يكن ذلك الكنز بذهب ولا فضة ، ولكن كان لوحا من ذهب مكتوب فيه : عجب « 1 » لمن أيقن بالموت كيف يفرح ، عجب لمن أيقن بالقدر كيف يحزن ، عجب لمن أيقن أن البعث حق كيف يظلم ، عجب لمن يرى الدنيا وتصرف أهلها حالا بعد حال كيف يطمئن إليها ، وكان أبوهما صالحا ، وكان بينهما وبين هذا الأب الصالح سبعون أبا ، فحفظهما الله بصلاحه ، ثم قال : * ( فَأَرادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغا أَشُدَّهُما ويَسْتَخْرِجا كَنزَهُما ) * فتبرأ من الإبانة في آخر القصص ، ونسب الإرادة كلها إلى الله تعالى ذكره في ذلك لأنه لم يكن بقي شيء مما فعله فيخبر به بعد ويصير موسى ( عليه السلام ) به مخبرا ومصغيا إلى كلامه تابعا له ، فتجرد من الإبانة والإرادة تجرد العبد المخلص ، ثم صار متنصلا مما أتاه من نسبة الإبانة في أول القصة ، ومن ادعائه الاشتراك في ثاني القصة ، فقال : * ( رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وما فَعَلْتُه عَنْ أَمْرِي ذلِكَ تَأْوِيلُ ما لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْه صَبْراً ) * . ثم قال جعفر بن محمد ( عليهما السلام ) : « إن أمر الله تعالى ذكره لا يحمل على المقاييس ، ومن حمل أمر الله على المقاييس هلك وأهلك ، إن أول معصية ظهرت ، الإبانة من إبليس اللعين ، حين أمر الله تعالى ذكره ملائكته بالسجود لآدم فسجدوا ، وأبي إبليس اللعين أن يسجد ، فقال عز وجل : ما مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْه خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وخَلَقْتَه مِنْ طِينٍ ) * « 2 » فكان أول كفره قوله : أَنَا خَيْرٌ مِنْه ثم قياسه بقوله : خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وخَلَقْتَه مِنْ طِينٍ فطرده الله عز وجل عن جواره ولعنه وسماه رجيما ، وأقسم بعزته لا يقيس أحد في دينه إلا قرنه مع عدوه إبليس في أسفل درك من النار » . 6709 / [ 3 ] - علي بن إبراهيم ، قال : وكان سبب ذلك أنه لما كلم الله موسى ( عليه السلام ) تكليما ، وأنزل عليه الألواح ، وفيها كما قال الله تعالى : وكَتَبْنا لَه فِي الأَلْواحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ « 3 » رجع موسى ( عليه السلام ) إلى بني إسرائيل ، فصعد المنبر فأخبرهم أن الله قد أنزل عليه التوراة وكلمه ، قال في نفسه : ما خلق الله خلقا أعلم مني ، فأوحى الله عز وجل إلى جبرئيل ( عليه السلام ) أن أدرك موسى فقد هلك ، وأعلمه أن عند ملتقى البحرين عند الصخرة رجلا أعلم منك فصر إليه ، وتعلم من علمه فنزل جبرئيل ( عليه السلام ) على موسى ( عليه السلام ) وأخبره فذل موسى ( عليه السلام ) في نفسه ، وعلم أنه أخطأ ودخله الرعب ، وقال لوصيه يوشع بن نون : إن الله قد أمرني أن أتبع رجلا عند ملتقى البحرين وأتعلم منه . فتزود يوشع بن نون حوتا مملوحا وخرجا ، فلما خرجا وبلغا ذلك المكان وجدا رجلا مستلقيا على قفاه فلم يعرفاه ، فأخرج وصي موسى الحوت وغسله بالماء ووضعه على الصخرة ، ومضيا ونسيا الحوت ، وكان ذلك الماء ماء الحيوان ، فحيي الحوت ودخل الماء ، فمضى موسى ( عليه السلام ) ويوشع بن نون معه حتى عييا « 4 » : فقال لوصيه : * ( آتِنا غَداءَنا لَقَدْ لَقِينا مِنْ سَفَرِنا هذا نَصَباً ) * أي عناء « 5 » فذكر

--> 3 - تفسير القمّي 2 : 37 . ( 1 ) في « ط » في جميع المواضع : عجبت . ( 2 ) الأعراف 7 : 12 . ( 3 ) الأعراف 7 : 145 . ( 4 ) في المصدر : عشيا ، وفي « ق » : جيعا . ( 5 ) في « ج » و « ق » : عيّا .