السيد هاشم البحراني

624

البرهان في تفسير القرآن

الليل فأووا إلى الكهف ، فأوحى الله جل جلاله إلى ملك الموت : أن يقبض أرواحهم ، ووكل الله عز وجل بكل رجل منهم ملكين يقلبانه ذات اليمين إلى ذات الشمال ، وذات الشمال إلى ذات اليمين ، وأوحى الله إلى خازن « 1 » الشمس فكانت تزاور عن كهفهم ذات اليمين ، وتقرضهم ذات الشمال . فلما رجع دقيوس من عيده سأل عن الفتية ، فأخبر أنهم ذهبوا هربا ، فركب في ثمانين ألف حصان ، فلم يزل يقفوا أثرهم حتى علا الجبل ، وانحط إلى الكهف ، فلما نظر إليهم إذا هم نيام فقال الملك : لو أردت أن أعاقبهم بشيء لما عاقبتهم بأكثر مما عاقبوا به أنفسهم ، ولكن ائتوني بالبنائين ، وسد باب الكهف بالكلس والحجارة ، ثم قال لأصحابه : قولوا لهم يقولون لإلههم الذي في السماء لينجيهم مما بهم إن كانوا صادقين ، وأن يخرجهم من هذا الموضع » . ثم قال علي ( عليه السلام ) : « يا أخا اليهود ، فمكثوا ثلاثمائة وتسع سنين ، فلما أراد الله أن يحييهم أمر إسرافيل الملك أن ينفخ فيهم الروح - قال - فنفخ فقاموا من رقدتهم ، فلما بزغت الشمس قال بعضهم لبعض : قد غفلنا في هذه الليلة عن عبادة إله السماوات فقاموا فإذا العين قد غارت والأشجار قد جفت ، فقال بعضهم لبعض : إن في أمرنا لعجبا ، مثل تلك العين الغزيرة قد غارت في ليلة واحدة ، ومثل تلك الأشجار قد جفت في ليلة واحدة ! » . قال : « ومسهم الجوع فقالوا : ابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة ، فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه وليتلطف ولا يشعرن بكم أحدا : فقال تمليخا : لا يذهب في حوائجكم غيري ، ولكن ادفع إلي - أيها الراعي - ثيابك قال : فدفع الراعي إليه ثيابه ومضى إلى المدينة ، فجعل يرى مواضع لا يعرفها وطرقا ينكرها ، حتى أتى باب المدينة ، فإذا عليه علم أخضر مكتوب عليه بالصفرة : لا إله إلا الله ، عيسى رسول الله وروحه - قال ( عليه السلام ) - فجعل ينظر إلى العلم ويمسح عينيه ويقول : كأني نائم ثم دخل المدينة حتى أتى السوق فإذا رجل خباز ، فقال : أيها الخباز ما اسم مدينتكم هذه ؟ قال : أفسوس . قال : وما اسم ملككم ؟ قال : عبد الرحمن ، قال : يا هذا حركني كأني نائم فقال الخباز : أتهزأ بي ، تكلمني وأنت نائم ؟ ! فقال تمليخا للخباز : فادفع إلي بهذا الورق طعاما . قال : فتعجب الخباز من نقش « 2 » الدرهم ومن كبره » . قال : فوثب اليهودي وقال : يا علي وما كان وزن كل درهم ؟ قال علي ( عليه السلام ) : « يا أخا اليهود ، كان وزن كل درهم منها عشرة دراهم وثلثي درهم » . قال : « فقال له الخباز : يا هذا ، إنك أصبت كنزا ؟ فقال تمليخا : ما هذا إلا ثمن تمرة بعتها منذ ثلاثة أيام وخرجت من هذه المدينة وتركت ، الناس يعبدون دقيوس الملك فغضب الخباز وقال : ألا تعطيني بعضها وتنجو ، أتذكر رجلا خمارا كان يدعي الربوبية قد مات منذ أكثر من ثلاثمائة سنة ؟ » . قال : فثبت تمليخا حتى أدخله الخباز على الملك ، فقال : ما شأن هذا الفتى ؟ فقال : الخباز : هذا رجل أصاب

--> ( 1 ) في المصدر : خزّان . ( 2 ) في المصدر : ثقل .