السيد هاشم البحراني

592

البرهان في تفسير القرآن

يأتوهم عنك بعلامة صحيحة تدلهم على صدقهم فيجب عليهم أن يصدقوهم ؟ قال : بلى ، قال : يا عبد الله ، أرأيت سفيرك لو أنه لما سمع منهم هذا عاد إليك وقال قم معي فإنهم قد اقترحوا علي مجيئك ، أليس يكون لك مخالفا ، وتقول له : إنما أنت رسول ، لا مشير ولا آمر « 1 » ؟ قال : بلى ، قال : كيف صرت تقترح على رسول رب العالمين مالا تسوغ لأكرتك ومعامليك أن يقترحوه على رسولك إليهم ، وكيف أردت من رسول رب العالمين مالا تسوغ لأكرتك « 2 » وقوامك ؟ هذه حجة قاطعة لإبطال جميع ما ذكرته في كل ما اقترحته ، يا عبد الله . وأما قولك ، يا عبد الله : أو يكون لك بيت من زخرف - وهو الذهب - أما بلغك أن لعظيم مصر بيوتا من زخرف ؟ قال : بلى ، قال : أفصار بذلك نبيا ؟ قال : لا ، قال : فكذلك لا يوجب ذلك لمحمد - لو كان له - نبوة ، ومحمد لا يغتنم جهلك بحجج الله . وأما قولك يا عبد الله : أو ترقى في السماء ، ثم قلت : ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه ، يا عبد الله ، الصعود إلى السماء أصعب من النزول عنها ، وإذا اعترفت على نفسك أنك لا تؤمن إذا صعدت ، فكذلك حكم النزول ، ثم قلت : حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه ، ومن بعد ذلك ، لا أدري أؤمن بك أو لا أؤمن بك فأنت - يا عبد الله - مقر بأنك تعاند حجة الله عليك ، فلا دواء لك إلا تأديبه [ لك ] على يد أوليائه من البشر أو ملائكته الزبانية ، وقد أنزل الله تعالى علي كلمة « 3 » جامعة لبطلان كل ما اقترحته ، فقال تعالى * ( قُلْ ) * يا محمد * ( سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا ) * ؟ ما أبعد ربي عن أن يفعل الأشياء على قدر ما يقترحه الجهال بما يجوز وبما لا يجوز ! * ( هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا ) * لا يلزمني إلا إقامة حجة الله التي أعطاني ، وليس لي أن آمر على ربي وأنهى ولا أشير ، فأكون كالرسول الذي بعثه « 4 » ملك إلى قوم من مخالفيه فرجع إليه يأمره أن يفعل بهم ما اقترحوه عليه . فقال أبو جهل : يا محمد ها هنا واحدة : ألست زعمت أن قوم موسى احترقوا بالصاعقة لما سألوه أن يريهم الله جهرة ؟ قال : بلى قال : ولو كنت نبيا لاحترقنا نحن أيضا ، فقد سألنا أشد مما قال « 5 » قوم موسى ، لأنهم قالوا : أرنا الله جهرة ونحن قلنا : لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلا نعاينهم . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يا أبا جهل ، أو ما علمت قصة إبراهيم الخليل ( عليه السلام ) لما رفع في الملكوت ، وذلك قول الله تبارك وتعالى : وكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأَرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ) * « 6 » قوى الله بصره لما رفعه دون السماء حتى نظر إلى الأرض ومن عليها ظاهرين ومستترين ، فرأى رجلا وامرأة على فاحشة ، فدعا عليهما بالهلاك فهلكا ، ثم رأى آخرين ، فدعا عليهما بالهلاك فهلكا ، ثم رأى آخرين ، فهم بالدعاء

--> ( 1 ) في « ط » رسول مبشر مأمور . ( 2 ) في المصدر : رسول ربّ العالمين أن يستذم إلى ربّه بأن يأمر عليه وينهى ، وأن لا تسوّغ مثل هذا لرسولك إلى أكرتك . ( 3 ) في المصدر : حكمة . ( 4 ) في « س » : يبعثه . ( 5 ) في المصدر : سأل . ( 6 ) الأنعام 6 : 75 .