السيد هاشم البحراني

586

البرهان في تفسير القرآن

رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) يناظرهم إذا عانتوه ويحاجهم ؟ قال : بلى ، مرارا كثيرة : منها ما حكى الله من قولهم : وقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي فِي الأَسْواقِ لَوْ لا أُنْزِلَ إِلَيْه مَلَكٌ ) * إلى قوله : مَسْحُوراً « 1 » وقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ « 2 » * ( وقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعاً ) * إلى قوله * ( كِتاباً نَقْرَؤُه ) * . ثم قيل له في آخر ذلك : لو كنت نبيا كموسى لنزلت علينا الصاعقة في مسألتنا إياك ، لأن مسألتنا أشد من مسائل « 3 » قوم موسى لموسى ( عليه السلام ) ، قال : وذلك أن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) كان قاعدا ذات يوم بمكة بفناء الكعبة إذا اجتمع جماعة من رؤساء قريش منهم : الوليد بن المغيرة المخزومي ، وأبو البختري بن هشام ، وأبو جهل ابن هشام ، والعاص بن وائل السهمي ، وعبد الله بن أبي أمية المخزومي ، وجمع ممن يليهم كثير ، ورسول الله ( صلى الله عليه وآله ) في نفر من أصحابه يقرأ عليهم كتاب الله ، ويؤدي إليهم « 4 » عن الله أمره ونهيه . فقال المشركون بعضهم لبعض : لقد استفحل أمر محمد وعظم خطبه ، فتعالوا نبدأ بتقريعه وتبكيته وتوبيخه ، والاحتجاج عليه ، وإبطال ما جاء به ، ليهون خطبه على أصحابه ، ويصغر قدره عندهم ، فلعله ينزع عما هو فيه من غيه وباطله وتمرده وطغيانه ، فإن انتهى وإلا عاملناه بالسيف الباتر . فقال أبو جهل : فمن ذا الذي يلي كلامه ومجادلته « 5 » ؟ قال عبد الله بن أبي أمية المخزومي : أنا لذلك أما ترضاني له قرنا « 6 » حسيبا ، ومجادلا « 7 » كفيا ؟ قال أبو جهل : بلى ، فأتوه بأجمعهم ، فابتدأ عبد الله بن أبي أمية المخزومي ، فقال : يا محمد ، لقد ادعيت دعوى عظيمة ، وقلت مقالا هائلا ، زعمت أنك رسول الله رب العالمين ، وما ينبغي لرب العالمين وخالق الخلق [ أجمعين ] أن يكون مثلك رسولا له ، بشر مثلنا تأكل كما نأكل وتشرب كما نشرب ، وتمشي في الأسواق كما نمشي ، فهذا ملك الروم وهذا ملك الفرس لا يبعثان رسولا إلا كثير مال ، عظيم حال ، له قصور ودور « 8 » وفساطيط وخيام وعبيد وخدم ، ورب العالمين فوق هؤلاء كلهم أجمعين فهم عبيده ، ولو كنت نبيا لكان معك ملك يصدقك ونشاهده ، بل ولو أراد الله أن يبعث إلينا نبيا لكان إنما يبعث إلينا ملكا لا بشرا مثلنا ، ما أنت - يا محمد - إلا مسحورا ولست بنبي . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : هل بقي من كلامك شيء ؟ قال : بلى ، لو أراد الله أن يبعث إلينا رسولا لبعث

--> ( 1 ) الفرقان 25 : 7 - 8 . ( 2 ) الزخرف 43 : 31 . ( 3 ) في المصدر : مسألة . ( 4 ) في « ط » : ويذكّرهم . ( 5 ) في « ط » : ومحاورته . ( 6 ) القرن للإنسان : مثله في الشجاعة والشدّة والعلم والقتال وغير ذلك . وفي « ط » : قويّا . ( 7 ) في نسخة من « ط » : ومحاورا . ( 8 ) في المصدر زيادة : وبساتين .