السيد هاشم البحراني
360
البرهان في تفسير القرآن
لا إِله إِلَّا أَنْتَ سُبْحانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ « 1 » . وقال عبد الله بن عمرو بن العاص « 2 » : كان قوله : رَبَّنا ظَلَمْنا أَنْفُسَنا وإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنا وتَرْحَمْنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ « 3 » وقيل : كان قوله : سبحانك لا إله إلا أنت عملت سوءا وظلمت نفسي ، فتب علي يا خير التوابين ، قال : فهذه الكلمات التي قالها الله تعالى : فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّه كَلِماتٍ فَتابَ عَلَيْه « 4 » قال : فلما قالها آدم ( عليه السلام ) في سجوده نشر صوته « 5 » في الآفاق ، فجعلت الأرض والجبال والبحار والأشجار والأطيار ، يقولون له : يا آدم ، قرت عيناك ، وهناك في توبتك . ثم أمر الله تعالى أن يبعث هذه الكلمات إلى حواء ، فذكرها آدم ( عليه السلام ) فحملتها الريح إلى حواء فلما سمعتها استبشرت ، وقالت : هذه كلمات ولغات لم أسمعهن قط وقد جعلهن توبة ورحمة ، وهو أرحم الراحمين . قال : فتكلمت بها وسجدت ، وكانت توبتها ، فلما فرغت من الكلمات ، قال لها جبرئيل : ارفعي رأسك ، فرفعته ، فإذا لها حجاب من نور ، وفتحت لها أبواب السماوات ، ونودي لها بالتوبة والغفران . وقيل له : يا آدم ، إن الله قبل توبتك . ثم ذهب ليقوم يمشي فلم يقدر ، لأن رجليه رسخت في الأرض كعروق الشجر ، حتى اقتلعه جبرئيل ( عليه السلام ) كاقتلاع العرق ، فصاح آدم ( عليه السلام ) من الألم الذي داخله ، وقال : « ما ذا تفعل الخطيئة ! » . فنظرت إليه الملائكة ، وقد تغير لونه ، ونحل جسمه ، وذهب نوره وبهاؤه ، وقد حفرت الدموع في وجنتيه نهرين ، فقالت الملائكة : يا آدم ، ما الذي نزل بك من تغير الحال بعد الزينة والحسن والجمال ، أين نور الجنان ؟ أين لباس الرضوان ؟ قال آدم : « هذا الذي وعدني فيه ربي ، حين قال : إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيها ولا تَعْرى وأَنَّكَ لا تَظْمَؤُا فِيها ولا تَضْحى « 6 » » . فقال جبرئيل ( عليه السلام ) للملائكة ، كفوا عن آدم ، ولا تعيروه بخطيئته ، ولا توبخوه بذنبه ، فقد محيت خطيئته ، وغفر ذنبه . فعند ذلك استغفرت له الملائكة ، فضرب جبرئيل بجناح الرحمة ، فانفجرت عين ماء أشد رائحة من المسك ، فاغتسل آدم ( عليه السلام ) بذلك الماء ، وهو يقول : « اللهم طهرتني من خطيئتي ، وأخرجتني من كربي » . فكساه حلتين من سندس الجنة . وبعث الله ميكائيل إلى حواء ، فبشرها وكساها ، فلما عرفت قبول توبتها ، انطلقت إلى الساحل واغتسلت ، وهي تبكي شوقا إلى آدم ( عليه السلام ) ، فكل قطرة سقطت من دموعها في البحر انقلبت لؤلؤة ومرجانة ودررا ويواقيت ، فانصرفت إلى موضعها تنتظر قدوم آدم ( عليه السلام ) ، فجعل آدم ( عليه السلام ) يسأل جبرئيل ( عليه السلام ) عن
--> ( 1 ) الأنبياء 21 : 87 . ( 2 ) هو عبد اللَّه بن عمرو بن العاص بن وائل بن هاشم بن سعيد بن سهم ، صحابي ، كان يكنّى أبا محمّد ، وقيل : أبو عبد الرحمن ، أسلم قبل أبيه ، وشهد صفين مع معاوية ، وولاه معاوية الكوفة لفترة قصيرة ، ومات سنة خمس وستّين عن اثنتين وسبعين سنة . « طبقات ابن سعد 4 : 261 ، الإصابة 2 : 351 ، حيلة الأولياء 1 : 283 » . ( 3 ) الأعراف 7 : 23 . ( 4 ) البقرة 2 : 37 . ( 5 ) في « ط » والمصدر : دعوته . ( 6 ) طه 20 : 118 و 119 .