السيد هاشم البحراني
359
البرهان في تفسير القرآن
هبط إليكم إنسان نسي عهد ربه ، فسماه إنسانا ، فأول ما سمع النسر بذلك انفض إلى الحوت وأخبره بذلك ففزع ، وقال كل واحد منهما لصاحبه : هذا وقت الوداع بيني وبينك ، فويل لأهل البحر والبر من هذا الإنسان . قال : وبقي آدم ( عليه السلام ) باكيا ساجدا لله تعالى حتى شربت الطير من دموعه ، ونبتت الأشجار ورسخت عروق رجليه في الأرض كما ترسخ الأشجار ، وبكت معه السباع ، فلما لقيته ولت عنه هاربة ، وقالت : نحن سكان الأرض قبلك يا آدم ، وقد أفزعتنا وأبكيتنا لبكائك ، وأورثتنا حزنا طويلا . فمن ذلك « 1 » صارت لا تأنس ببني آدم ، ويقال : تفرقت عنه جميع الطيور أيضا إلا النسر ، فإنه كان يساعده . ثم أنبت الله له الشعر واللحية ، فكان آدم ( عليه السلام ) قبل ذلك اليوم أمرد كأنه الفضة البيضاء ، فلما نظر آدم ( عليه السلام ) إلى اللحية ، قال : « يا رب ، ما هذا الذي لم أعهده منك في الجنة ؟ » . قال : « هذه لحيتك ، غير أنها زينتك ، ليعرف الذكر من الأنثى » . وروي أنه أقام على البكاء ثلاثمائة عام لا يرفع رأسه نحو السماء ، وهو يقول : « بأي وجه أنظر إلى السماء ، وهبطت منها عريانا عاصيا ؟ » فبكت الأنعام والطيور والسباع ، ولقد أبكى الكروبيين والروحانيين ، وقالوا : إلهنا ، أقل عثرته فإنه في حرقة من الذنب . وقال ( عليه السلام ) : « لو وضع بكاء يعقوب على يوسف ، وبكاء جميع الخلق إلى آخر الأبد لرجح بكاء آدم على بكائهم ، وذلك لأنه بقي من دموعه في الأرض بعد أن كف عن البكاء مائة عام ، تشرب منه الوحوش والسباع والطيور ، ولدموعه رائحة كرائحة المسك الأذفر ، ولذلك كثر الطيب في بلاد الهند » . فعند ذلك أمر الله تعالى جبرئيل : « أن آدم بديع فطرتي ، قد أبكى السماوات السبع والأرضين السبع ، ولم يذكر أحدا غيري ولا يخاف سواي ، ولقد أحرقت قلبه خطيئته ، وهو أول من عبدني ، وأول من دعاني بأسمائي الحسنى ، وأنا الرحمن « 2 » الذي سبقت رحمتي غضبي ، ولقد قضيت في سابق علمي أن من دعاني نادما على ذنبه متضرعا ، أن تدركه رحمتي ، وها أنا قد خصصته بكلمات تكون له توبة ، تخرجه من الظلمات إلى النور » . فنزل بها جبرئيل وله نور ، وهو ضاحك مستبشر على آدم ( عليه السلام ) ، فقال : السلام عليك يا طويل الحزن والبكاء ، فلم يسمع آدم ( عليه السلام ) ذلك لغليان صدره ، حتى ناداه بصوت رفيع : السلام عليك يا آدم ، قد قبل الله توبتك وغفر لك خطيئتك ، ثم أمر بجناحه على صدره ووجهه حتى هذأ من بكائه ، وسكن غليان صدره ، وسمع الصوت . فقال آدم ( عليه السلام ) : « وعليك السلام يا خليلي ، ابتداء سخط أم ابتداء إحسان وغفران ؟ » قال جبرئيل : بل ابتداء رحمة وغفران - يا آدم - لقد أبكيت أهل السماوات والأرضين ، فدونك هذه الكلمات ، فإنها كلمات التوبة والرحمة والغفران . قيل : هذه الكلمات التي قالها يونس ( عليه السلام ) في ظلمات ثلاث :
--> ( 1 ) في المصدر : يومئذ . ( 2 ) في المصدر : أنا الله الرحمن الرحيم .