السيد هاشم البحراني
349
البرهان في تفسير القرآن
يا آدم ، أنت عندي أكرم من ملائكتي إذا أطعتني ورعيت عهدي ، ولم تكن جبارا كفورا . وفي كل ذلك يقبل الأمانة والعهد ، ولا يسأل ربه التوفيق والعصمة ، وشهد الملائكة عليه . ثم مكث آدم ( عليه السلام ) وحواء مكللين متوجين مكرمين لما دخلا الجنة حتى كانا في وسط جنات عدن ، نظر آدم وإذا هو بسرير من جوهر ، له سبعمائة قائمة من أنواع الجواهر ، وله سرادقات « 1 » كثيرة ، وعلى ذلك السرير فرش من السندس والإستبرق ، وبين الفراشين كثبان من المسك والكافور والعنبر ، وعلى السرير أربع قباب : فيه الرضوان والغفران والخلد والكرم ، فناداه السرير : إلي يا آدم ، فلك خلقت ، ولك زينت . فنزل آدم عن فرسه ، وحواء عن ناقتها ، وجلسا على السرير بعد أن طافا على جميع نواحي الجنة ، ثم قدم لهما من عنب الجنة وفواكهها فأكلا منها ، ثم تحولا إلى قبة الكرم ، وهي أزين القباب ، وعن يمين السرير يومئذ جبل من مسك ، وعن يساره جبل من عنبر ، وشجرة طوبى قد أظلت على السرير ، فأحب أدم ( عليه السلام ) أن يدنو من حواء ، فأسبلت القباب ستورها ، وانظمت الأبواب ، وتغشاها وكان معها كأهل الجنة في الجنة خمسمائة عام من أعوام الدنيا في أتم السرور وأنعم الأحوال . وكان آدم ( عليه السلام ) ينزل عن السرير ، ويمشي في منابر الجنة ، وحواء خلفه تسحب سندسها ، وكلما تقدما من قصر نثرت عليهما من ثمار الجنة حتى يرجعا إلى السرير ، وإبليس ( لعنه الله ) خائف لما جرى عليه من طعنهم له بالحراب ورجمهم إياه ، وصار مختفيا عن آدم ( عليه السلام ) وحواء ، فبينما هو كذلك وإذا هو بصوت عال : يا أهل السماوات ، قد سكن آدم وحواء الجنة بالعهد والميثاق ، وأبحت لهما جميع ما في الجنة إلا شجرة الخلد ، فإن قرباها وأكلا منها كانا من الظالمين » . قال : « فلما سمع إبليس اللعين ذلك فرح فرحا شديدا ، وقال : لأخرجنهما من الجنة . ثم أتى مستخفيا في طرق السماوات . حتى وقع على باب الجنة ، وإذا بالطاوس وقد خرج من الجنة ، وله جناحان ، إذا نشر أحدهما غطى به سدرة المنتهى ، وله ذنب من زمردة صفراء ، وهو من الجواهر ، وعلى كل جوهر منه ريشة بيضاء ، وهو أطيب طيور الجنة صوتا وتغريدا ، وأحسنها ألحانا بالتسبيح والثناء لله رب العالمين ، وكان يخرج في وقت ويمر صفح « 2 » السماوات السبع ، يخطر في مشيه ، ويرجع في تسبيحه ، فيعجب جميع الملائكة من حسن صورته وتسبيحه ، فيرجع إلى الجنة . فلما رآه إبليس دعا به بكلام لين ، وقال : أيها الطائر العجيب الخلقة ، حسن الألوان ، طيب الصوت ، أي طائر أنت من طيور الجنة ؟ قال : أنا طاوس الجنة ، ولكن مالك - أيها الشخص - مذعور ، كأنك تخاف طالبا يطلبك ؟ فقال إبليس : أنا ملك من ملائكة الصفيح « 3 » الأعلى ، مع الملائكة الكروبين الذين لا يفترون عن التسبيح ساعة ولا طرفة عين ، جئت أنظر إلى الجنة وإلى ما أعد الله لأهلها فيها ، فهل لك أن تدخلني الجنة وأعلمك ثلاث كلمات ، من قالهن لا يهرم ولا يسقم ولا يموت ؟ فقال الطاوس : ويحك - أيها الشخص - أهل الجنة يموتون ؟ قال إبليس : نعم ، يموتون ويهرمون ويسقمون إلا من كانت عنده هذه الكلمات . وحلف على ذلك ، فوثق
--> ( 1 ) السرادقات : جمع سرادق ، ما أحاط بالبناء . « لسان العرب - سردق - 10 : 157 » . ( 2 ) صفح كلّ شيء : وجهه وناحيته . « لسان العرب - صفح - 2 : 516 » . ( 3 ) الصّفيح : من أسماء السّماء . « النهاية - صفح - 3 : 35 » .