السيد هاشم البحراني

350

البرهان في تفسير القرآن

به الطاوس ولم يظن أن أحدا يحلف بالله كاذبا ، فقال : أيها الشخص ، ما أحوجني إلى هذه الكلمات ، غير أني أخاف أن رضوان خازن الجنان يستخبرني عنك ، لكن أبعث إليك بالحية ، فإنها سيدة دواب الجنة » . قال : « ودخل الطاوس الجنة ، وذكر للحية جميع ذلك فقالت : وما أحوجني وإياك إلى هذه الكلمات . قال الطاوس : قد ضمنت له أن أبعث بك إليه ، فانطلقي إليه سريعا قبل أن يسبقك سواك ، فكانت الحية يومئذ على صورة الجمل ، ولها قوائم ، ولها زغب مثل العبقري « 1 » ما بين أسود وأبيض وأحمر وأخضر وأصفر ، ولها رائحة كرائحة المسك المشاب بالعنبر ، وكان مسكنها في جنة المأوى ، ومبركها على ساحل نهر الكوثر ، وكلامها التسبيح والثناء لله رب العالمين ، وقد خلقها الله تعالى قبل أن يخلق آدم ( عليه السلام ) بمائة عام ، وكانت تأنس بحواء وآدم ( عليه السلام ) وتخبرهما بكل شجرة في الجنة . فخرجت الحية مسرعة من باب الجنة فرأت إبليس لعنه الله على ما وصفه الطاوس ، فتقدم إليها إبليس بالكلام الطيب ، وقال لها مثل ما قال للطاوس ، فقالت الحية : وكيف أدخلك ولا يحل لك ركوبي ؟ فقال لها إبليس : إني أرى بين نابيك فرجة واسعة ، واعلمي أنها تسعني ، واجعليني فيها وأدخليني الجنة حتى أعلمك هذه الكلمات الثلاث . فقالت الحية : إذا حملتك في فمي ، فكيف أتكلم إذا كلمني رضوان ؟ فقال لها اللعين : لا عليك ، فإن معي أسماء ربي ، إذا قلتها لا ينطق بي ولا بك أحد من الملائكة . فدخلت والملائكة ساهون عن محاورتهما ، غير أن حواء كانت قد افتقدت الحية فلم تجدها ، وكانت مؤتلفة بها لحسن حديثها ، والحية مع إبليس يحلف لها ويخادعها - قال - ولم يزل إبليس يحلف لها ويخدعها ، حتى وثقت به وفتحت فاها ، فوثب إبليس وقعد بين أنيابها ، وخرج منه ريح فصار نابها سما إلى آخر الأبد - قال - فضمته الحية ودخلت الجنة ، ولم يكلمها رضوان للقدر والقضاء السابق بعلم الرحمن ، حتى إذا توسطت الحية الجنة ، قالت له : اخرج فمي وعجل قبل أن يفطن بك رضوان . قال إبليس : لا تعجلي ، فإنما حاجتي في الجنة آدم وحواء ، فإني أريد أن أكلمهما من فيك ، فإن فعلت ذلك علمتك الكلمات الثلاث . فقالت الحية : هاتيك قبة حواء فأخرج إليها وكلمها . قال : لا أكلمها إلا من فيك ، فحملته الحية إلى قبة حواء ، فقال إبليس من فم الحية : يا حواء ، يا زينة الجنة ، ألست تعلمين أني معك في الجنة ، وأني أحدثك وأخبرك بكل ما في الجنة ، وأني صادقة في كل ما أحدثك به ؟ فقالت حواء : نعم ، وما عرفتك إلا بصدق الحديث . قال إبليس : يا حواء ، أخبريني ما الذي أحل لكما في الجنة ، وحرم عليكما ؟ فأخبرته بما نهاهما عنه . فقال إبليس : ولماذا نهاكما ربكما عن شجرة الخلد ؟ قالت : لا علم لي بذلك . قال إبليس : أنا أعلم ، إنما نهاكما ربكما لأنه أراد أن يفعل بكما مثل ما فعل بذلك العبد الذي مأواه تحت الشجرة ، الذي أدخله قبل دخولكما بألف « 2 » عام » . قال : « فوثبت حواء من سريرها لتنظر ذلك العبد ، فخرج إبليس من فم الحية كالبرق الخاطف ، حتى قعد

--> ( 1 ) العبقريّ : ضرب من البسط . « تاج العروس - عبقر - 3 : 379 » . ( 2 ) في المصدر : بألفي .