السيد هاشم البحراني
345
البرهان في تفسير القرآن
وحسدا ، فقال الله تعالى : ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْه خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وخَلَقْتَه مِنْ طِينٍ ) * « 1 » والنار تأكل الطين ، وأنا الذي عبدتك دهرا طويلا قبل أن تخلقه ، وأنا الذي كسوتني الريش والنور ، وأنا الذي عبدتك في أكناف السماوات مع الكروبيين والصافين والمسبحين « 2 » والروحانيين والمقربين . قال الله تعالى : لقد علمت في سابق علمي من ملائكتي الطاعة ومنك المعصية ، فلم ينفعك طول العبادة لسابق العلم فيك ، وقد أبلستك « 3 » من الخير كله إلى آخر الأبد ، وجعلتك مذموما مدحورا شيطانا رجيما لعينا . فعند ذلك تغيرت خلقته الحسنة إلى خلقة كريهة مشوهة ، فوثب عليه الملائكة بحرابها وهم يلعنونه ، ويقولون له : رجيم ملعون ، رجيم ملعون . فأول من طعنه جبرئيل ، ثم ميكائيل ، ثم إسرافيل ، ثم عزرائيل ، ثم جميع الملائكة ، من كل ناحية وهو هارب من بين أيديهم ، حتى ألقوه في البحر المسجور ، فبادرت إليه الملائكة بحراب من نار ، فلم يزالوا يطعنونه حتى بلغوه القرار ، وغاب عن عيون الملائكة ، والملائكة في اضطراب والسماوات في رجفان من جرأة إبليس اللعين وعصيانه أمر الله . قال الله تعالى : وعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماءَ كُلَّها ) * « 4 » حتى عرف اللغات كلها ، حتى لغات الحيات والضفادع ، وجميع ما في البر والبحر » . قال ابن عباس : لقد تكلم آدم ( عليه السلام ) بسبعمائة « 5 » ألف ألف لغة ، أفضلها العربية ثم أمر الله تعالى الملائكة أن يحملوا آدم ( عليه السلام ) على أكتافهم ليكون عاليا عليهم ، وهم يقولون : سبوح قدوس لا خروج عن طاعتك . وسارت به في طرق السماوات وقد اصطفت حوله الملائكة ، فلا يمر آدم ( عليه السلام ) على صف إلا ويقول : « السلام عليكم ورحمة الله ، يا ملائكة ربي » . فيجيبونه : وعليك السلام ورحمة الله وبركاته ، يا صفوة الله وروحه وفطرته . وضرب له في الصفيح الأعلى قبابا من الياقوت الأحمر ، ومن الزبرجد الأخضر ، فما مر آدم ( عليه السلام ) بموقف من الملائكة ومقام النبيين إلا وسماه باسمه واسم أصحابه ، وعلى آدم ( عليه السلام ) يومئذ ثياب السندس الأخضر في رقة الهواء ، وله ظفيرتان مرصعتان بالدر والجواهر ، محشوتان بالمسك الأذفر « 6 » والعنبر على قامة آدم ( عليه السلام ) من رأسه إلى قدميه ، وعلى رأسه تاج من ذهب مرصع بالجوهر والعنبر والفيروزج الأخضر ، له أربعة أركان ، وفي كل ركن منها درة عظيمة يغلب ضوؤها على ضوء الشمس والقمر ، وفي أصابعه خواتيم الكرامة ، وفي وسطه منطقة الرضوان ، ولها نور يسطع في كل غرفة ، فوقف آدم على المنبر في هذه الزينة ، وقد علمه الأسماء كلها ، وأعطاه قضيبا من نور ، فتحير الملائكة فيه ، فقالوا : إلهنا ، خلقت خلقا أكرم من هذا ؟ فقال الله تعالى : « ليس من خلقته بيدي كمن قلت له : كن فيكون » .
--> ( 1 ) سورة ص 38 : 75 و 76 . ( 2 ) في المصدر : والحافّين . ( 3 ) الإبلاس : الانكسار والحزن . وإبليس من رحمة اللَّه : أي يئس . « الصحاح - بلس - 3 : 909 » . ( 4 ) البقرة 2 : 31 . ( 5 ) في المصدر : بتسعمائة . ( 6 ) الذّفر : كلّ ريح ذكيّة من طيب أو نتن . يقال : مسك أذفر . « الصحاح - ذفر - 2 : 663 » .