السيد هاشم البحراني
344
البرهان في تفسير القرآن
فإنه خلق ضعيف خلق من طين ، وهو أجوف ، والأجوف لا بد له من مطعم . وقيل : إنه قال يوما للملائكة : أما تعلمون أنتم لم فضل هذا الخلق عليكم ؟ قالوا : نطيع ربنا ولا نعصيه ، وهو يقول في ذلك : لئن فضل هذا الخلق علي لأعصينه ، وإن فضلت عليه لاهلكنه . قال : فلما أراد الله أن ينفخ فيه الروح ، خلق روح آدم ( عليه السلام ) ليست كالأرواح ، وهي روح فضلها الله تعالى على جميع أرواح الخلق من الملائكة وغيرها ، فذلك قوله تعالى : * ( فَإِذا سَوَّيْتُه ونَفَخْتُ فِيه مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَه ساجِدِينَ ) * ، وقال الله تعالى : ويَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي « 1 » . قال : فلما خلق الله تعالى روح آدم ( عليه السلام ) أمر بغمسها في جميع الأنوار ، ثم أمرها أن تدخل في جسد آدم ( عليه السلام ) بالتأني دون الاستعجال ، فرأت الروح مدخلا ضيقا ومنافذ ضيقة ، فقالت : يا رب ، كيف أدخل من الفضاء إلى الضيق ؟ فنوديت : أن ادخلي كرها . فدخلت الروح من يافوخه إلى عينيه ففتحهما آدم ( عليه السلام ) ، فجعل ينظر إلى بدنه ولا يقدر على الكلام ، ونظر إلى سرادق العرش مكتوبا عليه : لا إله إلا الله ، محمد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، فصارت الروح إلى أذنيه ، فجعل يسمع تسبيح الملائكة . ثم جعلت الروح تدور في رأسه ودماغه ، والملائكة قبل خلقه بذلك ، قوله تعالى : إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ فَإِذا سَوَّيْتُه ونَفَخْتُ فِيه مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَه ساجِدِينَ « 2 » . ثم صارت الروح إلى الخياشيم ، ففتحت العطسة المجاري المسدودة وسارت إلى اللسان ، فقال آدم ( عليه السلام ) : « الحمد لله الذي لم يزل » . فهي أول كلمة قالها ، فناداه الرب : يرحمك ربك - يا آدم - لهذا خلقتك ، وهذا لك ولذريتك ، ولمن قال مثل مقالتك . قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : « ليس على إبليس أشد من تسميت العاطس » . قال : فصارت الروح في جسد آدم ( عليه السلام ) حتى بلغت الساقين والقدمين ، فاستوى آدم قائما على قدميه في يوم الجمعة ، عند زوال الشمس . قال جعفر بن محمد الصادق ( عليه السلام ) : « كانت الروح في رأس آدم ( عليه السلام ) مائة عام ، وفي صدره مائة عام ، وفي ظهرة مائة عام ، وفي بطنه مائة عام ، وفي عجزه وفي وركيه مائة عام ، وفي ساقيه وقدميه مائة عام » . فلما استوى آدم قائما ، نظرت إليه الملائكة كأنه الفضة البيضاء ، فأمرهم الله بالسجود له ، فأول من بارد إلى السجود جبرئيل ، ثم ميكائيل ، ثم عزرائيل ، ثم إسرافيل ، ثم الملائكة المقربون . وكان السجود لآدم يوم الجمعة عند الزوال ، فبقيت الملائكة في سجودها إلى العصر ، فجعل الله تعالى هذا اليوم عيدا لآدم ( عليه السلام ) ولأولاده ، وأعطاه الله تعالى فيه الإجابة في الدعاء ، وفي يوم الجمعة وليلتها أربع وعشرون ساعة ، في كل ساعة يعتق سبعون ألف عتيق من النار . 5840 / [ 4 ] - وعنه : قال جعفر الصادق ( عليه السلام ) : « وأبى إبليس ( لعنه الله ) من أن يسجد لآدم ( عليه السلام ) استكبارا
--> 4 - تحفة الإخوان : 65 « مخطوط » . ( 1 ) الإسراء 17 : 85 . ( 2 ) سورة ص 38 : 71 و 72 .