الشيخ محمد تقي فلسفي ( مترجم : الميلاني )
266
الطفل بين الوراثة والتربية
تزكية النفس : ترى المدينة الإسلامية أن الناس مقيدون في إرضاء غرائزهم والإستجٍابة لميولهم ، كما ترى المدنيات المادية ذلك ، مع فارق كبير هو أن المدنيات المادية تهدف إلى ضمان الاستقرار المعيشي للإنسان ، ولذلك فإن ترك الحرية في الاستجابة للغرائز إنما يتحدد بإطار المصالح المادية ، والحفاظ على النظام الاجتماعي . . . في حين أن المدينة الإسلامية تهدف إلى أمرين : أحدهما الحفاظ على النظام في الحياة المادية ، والآخر الوصول إلى الكمالات الروحية وإحراز الصفات الإنسانية العليا . إن إحراز المقام الشامخ في الإنسانية لا يتيسر بضبط النظام المادي في المجتمع . فمن يرغب في الوصول إلى هذا الهدف العظيم عليه أن يهتم بتزكية نفسه وتطهيرها من الجرائم والآثام ، ويعمل على بلوغ الدرجة التي يستحق معها اعتباره إنساناً واقعياً في ظل الإيمان بالله والتزام المثل العليا . وكما إن استقرار النظام الاجتماعي وضمان حقوق الآخرين يتطلب من الإنسان أن يقيد غرائزه ، كذلك الوصول إلى الكمال الإنساني وبلوغ مرحلة القيم والفضائل فإنه لا يتيسر إلا بتقييد هوى النفس والتخلي عن الرغبات اللا مشروعة . الدين والمدنية : إن التضاد الذي قد يلحظ أحياناً بين التعاليم الدينية والمدنية المعاصرة ناشئ من هذا الاختلاف في الهدف . فالتعاليم الدينية ترى أن كل عمل يخالف المصلحة الاجتماعية أو يتنافى والسعادة الفردية فهو محرّم ، وبعبارة أخرى لا يجوز لأي فرد أن يقوم بعمل من شأنه الإضرار بمصلحة المجتمع أو يتصادم مع سعادته الفردية . أما في المدنية المعاصرة فإن كل فرد يعتبر حراً في الأفعال التي لا تتصادم مع النظام الاجتماعي ولا تتضمن الإضرار بالآخرين والتجاوز على حقوقهم ، حتى لو كان ذلك العمل مضراً بسعادته كشرب الخمر ، والقمار ، والزنا ، والإنتحار . هذه الحرية هي التي سببت المآسي والمشاكل في عالم الغرب .