الشيخ محمد تقي فلسفي ( مترجم : الميلاني )
193
الطفل بين الوراثة والتربية
إن الوالدين العاقلين يستعدان في هذه المناسبة للعناية به وعلاجه ، فيأتيان بالطبيب ويحضران له ما يناسبه من غذاء ودواء ، ويسجلان درجة حرارة الطفل في ساعات الليل والنهار . يكون الأب والأم أمام عيني الطفل الفاحصتين كممرضين يقومان بواجبهما ، ويوحيان إلى الطفل ان حالتنا وحالتك طبيعية إلاّ أنه حدث أن تمرضت وحُرمت لذلك من الركض واللعب وأكل الطعام العادي . إننا ننفذ أوامر الطبيب تجاهك ، وبجب أن نطيعه في استعمال الدواء وزرق الإبرة ، وستبرأ طبعاً بعد أيام قليلة . وعلى فرض أن الأبوين متأثران في الواقع لمرض الطفل ، فإنهما يظهران أمامه الوضع الإعتيادي ، ولا يسببان إحساس الطفل بتشوشهما واضطرابهما . أما بعض الآباء والأمهات فإنهم يضطرون ويرتكبون . . . ويظهرون اضطرابهم الشديد هذا للطفل ، ويجلسون عنده ناظرين إليه وآثار التألم بادية عليهم ، يبكون ، يمسحون بأيديهم على رأسه ويتكلمون معه بتوجع واضطراب ، وربما يقبّلون وجهه المحموم ، ويحنّون عليه قدر المستطاع ، ويعتبرون مرضه حادثاً جللاً ، ويفهمونه - عملياً - أنهم جميعاً فاقدون راحتهم واطمئنانهم ، فيترك الأب عمله ، وتنسى الأم كل شيء ، وتضطرب الأسرة كلها لمرضه . هذه الأعمال الفارغة التافهة ليس لها أقل تأثير في معالجة المريض ، لكنها من الجانب الآخر تفسد أخلاق الطفل وتمنحه الكثير من الأنانية ، فيعتقد الطفل بذلك أن له قيمة كبيرة ويقول في نفسه : أنا صاحب هذه الأهمية والمكانة ، أنا الذي يسبب مرضي اضطراب العائلة وارتباكها ، ويجلب الأنظار نحوي . إن مرض الطفل يزول ، ولكن تبقى هذه النظرة الخاطئة في أعماق فكره ، فيتوقع دائماً من أبويه وسائر الناس أن يحترموه لدرجة كبيرة ، ويعجبه حين أبتلي بصداع أن يضطرب له جميع الناس فضلاً عن أفراد أسرته . تمارض الطفل : وقد يتمارض كي يلتذ من حنان أبويه ويسكن إلى محبتهما له . وحين