الشيخ محمد تقي فلسفي ( مترجم : الميلاني )
190
الطفل بين الوراثة والتربية
العادات . ان جميع العادات التي حصل عليها في الرحم لا أثر لها في أحواله بعد الولادة . ففي بعض الأحيان يجب تعليم المولود كيفية التنفس . إن الغريزة الوحيدة التي يحملها حينذاك ، والتي تكون قد نمت نمواً حسناً هي غريزة مص الثدي والارتضاع . وعندما يشتغل بالإرتضاع يأنس بالمحيط الجديد ، وتمرّ عليه سائر أوقات يقظته في حالة عدم شعور مبهم ، وإنما يتخلص من هذه الحالة في ساعات النوم التي تستغرق أكثر ساعات اليوم . . . ثم تتغير جميع هذه الأوضاع من بعد أسبوعين ، فيحصل الطفل من تجاربه التي تتكرر عليه خلال هذه المدة بصورة منتظمة على انطباعات يتذكرها حينذاك . ولعل تذكره ذاك يكون أكمل وأكثر من كل الأزمنة اللاحقة ، ويتنفر من تغيير كل ما اعتاد عليه وأنس به » . « ان السرعة التي يسير بها الطفل في اكتساب العادات عجيبة . وسيكون حصوله على كل عادة سيئة في أولى أدوار الطفولة سداً أمام اكتسابه العادات الحسنة . ولهذا يعتبر التعوّد على العادات في أوائل أيامه مهماً للغاية . إذ لو كانت العادات الأولية حسنة فسوف نتخلص في المستقبل من الترغيبات وبواعث التشجيع والإطراء التي لا تتناهى ، هذا مضافاً إلى أنه يبقى في جميع أدوار حياته المقبلة متطبعاً على الغزائز المكتسبة في أوائلها وستظل مهيمنة عليه . ولا يمكن للعادات التي اكتسبها فيما بعد المنافية لها الوصول إلى تلك الدرجة من الهيمنة والقوة . ولهذا يجب أن يُراعي موضوع العادات الأولية رعاية تامة . إن الأطفال الرضع محتالون أكثر مما يتصوره الأشخاص البالغون والكبار ، لأنهم عندما يرون أن نتائج البكاء أنفع لهم فإنهم بلا شك يستعملون هذه الطريقة ، وعندما يرون بعد ذلك أن البكاء والعبوس يسبب النفور والاستياء منهم بدلاً من الحنان عليهم يتعجبون وتكون الدنيا في أنظارهم تافهة لا فائدة فيها » .