الشيخ محمد تقي فلسفي ( مترجم : الميلاني )
105
الطفل بين الوراثة والتربية
منهما دور معين في ضمان سعادة الإنسان . ها نحن نتعرض في هذه المحاضرة إلى بعض جوانب الاختلاف بينهما بصورة موجزة . يعتبر العقل بمثابة قاضٍ عادل وعالم ، جالس في غرفة مغلقة ، ومحيط هادئ ، يطالع الأضابير بدقة ويتفهم محتوياتها بصورة متقنة ، ويقيس جميع جوانب القضية ثم يصدر الحكم . أما العواطف فهي تمثل الجهاز التنفيذي للسلطة القضائية . ليس واجب الجهاز التنفيذي تمحيص الأدلة والبيّنات ، بل على العواطف أن تنفذ الأحكام العقلية عندما تكون منقادة للعقل . إن أحكام العقل قائمة على أساس الاستدلال والبرهنة . وإن موافقته أو مخالفته ، ونقضه أو أبرامه . . . كل ذلك يعتمد على المحاسبة الدقيقة والاستدلال المنطقي . أما العواطف فلا شأن لها بالمحاسبة ، ولا تفهم المنطق ولا تركن إلى الاستدلال . العواطف عبارة عن العشق فقط ، الاندفاع والثورة وحسب . . . إن قلب الأم يطفح بحب الولد ، فحبه نافذ إلى أعماق روحها ، وترى ولدها قطعة من كبدها ، وتعتبر حياته حياتها ، وأبسط حادثة مؤلمة له تعدّ مصيبة عظيمة لها ، ولكن الأم لا تملك في حبها هذا وحنانها ذاك دليلاً عقلياً أو عملياً ، إن حنانها لا يستند إلى المنطق والتفكير ، إنّها أمّ وحسب ، وتحب ولدها بعاطفة الأمومة . كذلك حب العاشق وولهه لا يستند إلى الاستدلال العلمي والمحاسبة المنطقية ، إنه لم يعشق على طبق معادلات رياضية أو استنتاجات عقلية ، ان الحديث معه في طريق الحب عن العلم والمنطق والدليل خطأ فظيع . إذا أن العاشق لا يفهم دليلاً ، ولا يدرك عقلاً ولا منطقاً ، إنه عاشق . . . إنه ولهان . . . إن روحه تحترق بنار الحب . . . يأوي إلى الفراش على أمل الحبيب ، وينهض من فراشه على رجاء لقائه . إن العقل على ما هو عليه من الأهمية والقيمة في طريق التقدم والرقي يشبه العلم والعدالة في أنه باهت وقاسٍ ، أما العواطف فهي ينبوع الاندفاعات والحوافز ، وبركان الحرارات والأشعاعات ، وأساس الصداقات والعداوات . يستطيع الإنسان بعقله وفكره أن يسيطر على العالم ويسخر الكون ، ويستخدم