السيد هاشم البحراني
582
البرهان في تفسير القرآن
كنت عند الصادق جعفر بن محمد ( عليه السلام ) إذ دخل عليه معاوية بن وهب وعبد الملك بن أعين ، فقال له معاوية ابن وهب : يا بن رسول الله ، ما تقول في الخبر الذي روي عن رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) رأى ربه ، على أي صورة رآه ؟ وعن الحديث الذي رووه أن المؤمنين يرون ربهم في الجنة ، على أي صورة يرونه ؟ فتبسم ( عليه السلام ) ثم قال : « يا معاوية ، ما أقبح بالرجل يأتي عليه سبعون سنة أو ثمانون سنة يعيش في ملك الله ويأكل من نعمه ، ثم لا يعرف الله حق معرفته ؟ » . ثم قال ( عليه السلام ) : « يا معاوية ، إن محمدا ( صلى الله عليه وآله ) لم ير الرب « 1 » تبارك وتعالى بمشاهدة العيان ، وإن الرؤية على وجهين : روية القلب وروية البصر ، فمن عنى برؤية القلب فهو مصيب ، ومن عنى برؤية البصر فقد كذب وكفر بالله وبآياته ، لقول رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : من شبه الله بخلقه فقد كفر . ولقد حدثني أبي ، عن أبيه ، عن الحسين بن علي ( عليهم السلام ) ، قال : سئل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) فقيل له : يا أخا رسول الله ، هل رأيت ربك ؟ فقال : كيف أعبد من لم أره ؟ لم تره العيون بمشاهدة العيان ، ولكن رأته القلوب « 2 » بحقائق الإيمان . وإذا كان المؤمن يرى ربه بمشاهدة البصر ، فإن كل من جاز عليه البصر والرؤية فهو مخلوق ، ولا بد للمخلوق من خالق ، فقد جعلته إذن محدثا مخلوقا ، ومن شبهه بخلقه فقد اتخذ مع الله شريكا . ويلهم ، ألم يسمعوا قول الله تعالى : لا تُدْرِكُه الأَبْصارُ وهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصارَ وهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) * « 3 » وقوله لموسى ( عليه السلام ) : * ( لَنْ تَرانِي ولكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَه فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّه لِلْجَبَلِ جَعَلَه دَكًّا ) * وإنما طلع من نوره على الجبل كضوء يخرج من سم الخياط فدكدكت الأرض ، وصعقت الجبال ، وخر موسى صعقا - أي ميتا - فلما أفاق ورد عليه روحه قال : سبحانك تبت إليك من قول من زعم أنك ترى ، ورجعت إلى معرفتي بك أن الأبصار لا تدركك ، وأنا أول المؤمنين وأول المقرين بأنك ترى ولا ترى وأنت بالمنظر الأعلى » . ثم قال ( عليه السلام ) : « إن أفضل الفرائض وأوجبها على الإنسان معرفة الرب ، والإقرار له بالعبودية ، وحد المعرفة أن يعرف الله أن « 4 » لا إله غيره ، ولا شبيه له ولا نظير ، وأن يعرف أنه قديم مثبت موجود غير فقيد ، موصوف من غير شبيه له ولا نظير له ولا مبطل لَيْسَ كَمِثْلِه شَيْءٌ وهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ) * « 5 » وبعده معرفة الرسول والشهادة له بالنبوة ، وأدنى معرفة الرسول الإقرار بنبوته وأن ما أتى به من كتاب أو أمر أو نهي فذلك عن الله عز وجل . وبعده معرفة الإمام الذي به يأتم بنعته وصفته واسمه في حال العسر واليسر ، وأدنى معرفة الإمام أنه عدل النبي إلا درجة النبوة ، ووارثه ، وأن طاعته طاعة الله وطاعة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ، والتسليم له في كل أمر ، والرد إليه والأخذ بقوله . ويعلم أن الإمام بعد رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) علي بن أبي طالب ، وبعده الحسن ، ثم
--> ( 1 ) في المصدر : ربّه . ( 2 ) في « ط » : رآه القلب . ( 3 ) الأنعام 6 103 . ( 4 ) في المصدر : وحدّ المعرفة أنّه . ( 5 ) الشورى 42 : 11 .