السيد هاشم البحراني

464

البرهان في تفسير القرآن

فكلمهم بما يعقلون ، ليكون عليهم حجة في تضييع ما ضيعوه « ، فقد يقال للرجل : كلب ، وحمار ، وثور ، وسكرة ، وعلقمة ، وأسد ، كل ذلك على خلافه وحالاته ، لم تقع الأسامي على معانيها التي كانت بنيت عليه ، لأن الإنسان ليس بأسد ولا كلب ، فافهم ذلك رحمك الله . وإنما سمي الله بالعلم « 2 » بغير علم حادث علم به الأشياء ، واستعان به على حفظ ما يستقبل من أمره ، والروية فيما يخلق من خلقه ويفسد « 3 » ما مضى مما أفنى من خلقه ، مما لو لم يحضره ذلك العلم ويعنه « 4 » كان جاهلا ضعيفا ، كما أنا لو رأينا علماء الخلق إنما سموا بالعلم لعلم حادث إذ كانوا فيه جهلة ، وربما فارقهم العلم بالأشياء فعادوا إلى الجهل ، وإنما سمي الله عالما لأنه لا يجهل شيئا ، فقد جمع الخالق والمخلوق اسم العالم واختلف المعنى على ما رأيت . وسمي ربنا سميعا لا بخرت « 5 » فيه يسمع به الصوت ولا يبصر به ، كما أن خرتنا الذي به نسمع لا نقوى به على البصر ، ولكنه أخبر أنه لا يخفى عليه شيء من الأصوات ، ليس على حد ما سمينا نحن ، فقد جمعنا الاسم بالسمع واختلف المعنى . وهكذا البصر لا بخرت منه أبصر كما أنا نبصر بخرت منا لا ننتفع به في غيره ، ولكن الله بصير لا يحتمل شخصا منظورا إليه ، فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى . وهو قائم ليس على معنى انتصاب وقيام على ساق في كبد كما قامت الأشياء ، ولكن قائم يخبر أنه حافظ ، كقول الرجل : القائم بأمرنا فلان ، والله هو القائم على كل نفس بما كسبت ، والقائم أيضا في كلام الناس الباقي ، والقائم أيضا يخبر عن الكفاية ، كقولك للرجل : قم بأمر بني فلان ، أي أكفهم . والقائم منا قائم على ساق ، فقد جمعنا الاسم ولم نجمع المعنى . وأما اللطيف فليس على قلة وقضافة « 6 » ، وصغر ، ولكن ذلك على النفاذ في الأشياء ، والامتناع من أن يدرك ، كقولك للرجل : لطف عني هذا الأمر ، ولطف فلان في مذهبه . وقوله يخبرك أنه غمض فيه العقل ، وفات الطلب ، وعاد متعمقا متلطفا لا يدركه الوهم ، وكذلك لطف الله تبارك وتعالى عن أن يدرك بحد ، أو يحد بوصف ، واللطافة منا الصغر والقلة ، فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى . وأما الخبير فهو الذي لا يعزب عنه شيء ، ولا يفوته شيء ، ليس للتجربة ولا للاعتبار بالأشياء فتفيده التجربة والاعتبار علما لولاهما ما علم ، لأن كل من كان كذلك كان جاهلا ، والله لم يزل خبيرا بما يخلق ، والخبير من الناس المستخبر عن جهل ، المتعلم ، فقد جمعنا الاسم واختلف المعنى .

--> ( 1 ) في المصدر : ما ضيّعوا . ( 2 ) في التوحيد : 188 / 2 : بالعالم . ( 3 ) في التوحيد : وبعينه . ( 4 ) في « ط » والمصدر : ويغيبه . ( 5 ) الخرت : الثّقب . « الصحاح - خرت - 1 : 248 » . ( 6 ) القضافة : قلَّة اللحم ، والنّحافة . « لسان العرب - قضف - 9 : 284 » .