مرتضى الزبيدي

640

تاج العروس

فبالخَيرِ لا بالشَّرِّ فارْجُ مَوَدَّتي * وإنّي امرؤٌ يَقْتَالُ مِنّي التَّرَهُّبُ ( 1 ) قال أبو عُبَيْدٍ : سَمِعْتُ الهَيثمَ بنَ عَدِيٍّ يقول : سَمِعْتُ عبدَ العزيزِ بن عُمرَ بن عبدِ العزيزِ يقولُ في رُقْيَةِ النَّملةِ : العَروسُ تَحْتَفِلْ ، وتَقْتَالُ وتَكْتَحِلْ ، وكلُّ شيءٍ تَفْتَعِلْ ، غيرَ أن لا تَعْصِي الرجُلْ . قال : تَقْتَال : تَحْتَكِمُ على زَوْجِها ، وأنشدَ الجَوْهَرِيّ لكَعبِ بن سَعدٍ الغَنَويِّ : وَمَنْزِلَةٍ في دارِ صِدْقٍ وغِبْطَةٍ * وما اقْتالَ مِن حُكمٍ عليَّ طَبيبُ ( 2 ) وأنشدَ ابنُ بَرِّي للأعشى : ولمِثلِ الذي جَمَعْتَ لرَيْبِ الدّْ * هْرِ تَأْبَى حُكومَةُ المُقْتالِ ( 3 ) واقْتالَ الشيءَ : اختارَه هكذا في النسخ . وفي الأساسِ واللِّسان : واقْتالَ قَوْلاً : اجْتَرَّه إلى نَفْسِه من خَيرٍ أو شرٍّ . وقالَ به : أي غَلَبَ به ، ومنه حديثُ الدُّعاء : " سُبْحانَ من تعَطَّفَ بالعِزِّ ، والروايةُ : تعَطَّفَ العِزَّ وقال به . قال الصَّاغانِيّ : وهذا منَ المَجاز الحُكْميِّ ، كقولِهم : نهارُه صائمٌ ، والمُرادُ وَصْفُ الرجلِ بالصَّومِ ، وَوَصْفُ اللهِ بالعِزِّ ، أي غَلَبَ به كلَّ عزيزٍ ، وَمَلَكَ عليه أَمْرَه . وقال ابنُ الأثير : تعَطَّفَ العِزَّ : أي اشتملَ به فَغَلَبَ بالعِزِّ كلَّ عزيزٍ . وقيل : معنى قالَ به : أي أحَبَّه واخْتَصَّه لنَفسِه ، كما يقال : فلانٌ يقول بفلانٍ : أي بمحَبَّتِه واختِصاصِه . وقيل : معناه حَكَمَ به ، فإنّ القَولَ يُستعمَلُ في معنى الحُكْمِ . وفي الرَّوضِ للسُّهَيْليِّ في تَسْبِيحِه صلّى الله تعالى عليه وسلَّم : " الذي لَبِسَ العِزَّ وقالَ به " أي مَلَكَ به وقَهَرَ ، وكذا فسَّرَه الهرَوِيُّ في الغَريبَيْن . وقال ابْن الأَعْرابِيّ : العربُ تقولُ : قالَ القومُ بفلانٍ : أي قتَلوه ، وقُلْنا به : أي قَتَلْناه ، وهو مَجاز ، وأنشدَ لزِنْباعٍ المُراديِّ : نَحْنُ ضَرَبْناهُ على نِطابِه * قُلْنا به ، قُلْنا به ، قُلْنا به نَحْنُ أَرَحْنا الناسَ من عَذابِهِ * فليَأْتِنا الدهرُ بما أتى بهِ ( 4 ) وقال ابنُ الأَنْباريّ اللُّغَويُّ : قالَ يجيءُ بمعنى تكلَّمَ ، وضَرَبَ ، وغَلَبَ ، وماتَ ، ومالَ ، واستراحَ ، وأَقْبَلَ ، وهكذا نقله أيضاً ابنُ الأثير ، وكلُّ ذلك على الاتِّساعِ والمَجاز ، ففي الأساس : قال بِيَدِه : أَهْوَى بها ، وقالَ برأسِه : أشارَ ، وقال الحائِطُ فَسَقَطَ : أي مالَ . ويُعَبَّرُ بها عن التهَيُّؤِ للأفعالِ والاستعدادِ لها ، يقال : قالَ فَأَكَلَ ، وقالَ فَضَرَبَ ، وقالَ فتكلَّمَ ، ونحوه ، كقالَ بيدِه : أَخَذَ ، وبرِجلِه : مشى أو ضَرَبَ ، وبرأسِه : أشارَ ، وبالماءِ على يدِه : صبَّه ، وبثَوبِه : رَفَعَه ، وتقدّمَ قَوْلُ الشاعر : * وقالَتْ له العَينانِ سَمْعَاً وطاعةً * أي أَوْمَأَتْ ، وروى في حديثِ السَّهو : " ما يقولُ ذو اليَدَيْن ؟ قالوا صَدَقَ " ، رُوِيَ أنّهم أَوْمَئُوا برؤوسِهم : أي نَعَمْ ، ولم يَتَكَلَّموا . وقال بعضُهم في تأويلِ الحديثِ : " نهى عن قِيلَ وقال " القال : الابتِداءُ ، والقِيل ، بالكَسْر : الجَواب ، ونَظيرُ ذلك قولُهم : أَعْيَيْتِني من شُبَّ إلى دُبَّ ، ومن شُبٍّ إلى دُبٍّ . قال ابنُ الأثير : وهذا إنّما يَصِحُّ إذا كانتِ الروايةُ : قيلَ وقالَ ، على أنّهما فِعلان ، فيكونُ النهيُ عن القَولِ بما لا يصحُّ ولا تُعلَمُ حَقيقتُه ، وهو كحديثِه الآخر : " بِئسَ مَطِيَّةُ الرجلِ زعموا " وأمّا من حكى ما يصِحُّ وتُعرَفُ حقيقتُه وأسندَه إلى ثقةٍ صادقٍ فلا وَجْهَ للنهيِ عنه ولا ذَمَّ . والقَوْلِيَّة : الغَوْغاءُ وَقَتَلةُ الأنبياء ، هكذا تُسمِّيه اليهودُ ، ومنه حديثُ جُرَيْجٍ : " فَأَسْرعَتِ القَوْلِيّةُ إلى صَوْمَعتِه " .

--> ( 1 ) اللسان . ( 2 ) اللسان ولم ينسبه في الصحاح . ( 3 ) ديوانه ط بيروت ص 168 برواية : " جمعت من العدة تأبى " واللسان . ( 4 ) الأول والثاني في اللسان والتكملة والتهذيب ، وقد ذكر في التكملة بينهما : بالمرجح من مرجح إذ ثرنا به * بكل غضب صارم نعصى به يلتهم القرن على اغترابه * ذاك وهذا انقض من شعابه