السيد هاشم البحراني
341
البرهان في تفسير القرآن
* ( يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) * هو مصلحهم ومؤديهم بطاعتهم « 1 » إلى جنات النعيم . وجاء قوم من اليهود إلى رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فقالوا : يا محمد ، هذه القبلة بيت المقدس قد صليت إليها أربع عشرة سنة ثم تركتها الآن ، أفحقا كان ما كنت عليه ، فقد تركته إلى باطل ؟ فإن ما يخالف الحق فهو باطل ، أو كان باطلا فقد كنت عليه طول هذه المدة ؟ فما يأمنا أن تكون الآن على باطل ؟ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : بل ذلك كان حقا ، وهذا حق ، يقول الله تعالى : * ( قُلْ لِلَّه الْمَشْرِقُ والْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ) * إذا عرف صلاحكم - يا أيها العباد - في استقبال المشرق أمركم به ، وإذا عرف صلاحكم في استقبال المغرب أمركم به ، وإن عرف صلاحكم في غيرهما أمركم به ، فلا تنكروا تدبير الله في عباده ، وقصده إلى مصالحكم . ثم قال لهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : لقد تركتم العمل يوم السبت ، ثم عملتم بعده في سائر الأيام ، وتركتموه في يوم السبت ، ثم عملتم بعده ، أفتركتم الحق إلى الباطل ، أو الباطل إلى الحق ؟ أو الباطل إلى الباطل أو الحق إلى الحق ؟ قولوا كيف شئتم فهو قول محمد وجوابه لكم . قالوا : بل ترك العمل في السبت حق ، والعمل بعده حق . فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : فكذلك قبلة بيت المقدس في وقتها حق ، ثم قبلة الكعبة في وقتها حق . فقالوا : يا محمد : أفبدا لربك فيما كان أمرك به بزعمك من الصلاة إلى بيت المقدس حتى « 2 » نقلك إلى الكعبة ؟ فقال رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : ما بدا له عن ذلك ، لأنه العالم بالعواقب ، والقادر على المصالح ، لا يستدرك على نفسه غلطا ، ولا يستحدث له رأيا بخلاف المتقدم ، جل عن ذلك ، ولا يقع أيضا عليه مانع يمنعه عن مراده ، وليس يبدو إلا لمن كان هذا وصفه ، وهو عز وجل يتعالى عن هذه الصفات علوا كبيرا . ثم قال لهم رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) : أيها اليهود ، أخبروني عن الله ، أليس يمرض ثم يصح ، ويصح ثم يمرض ، أبدا له في ذلك ؟ أليس يحيي ويميت « 3 » ، أليس يأتي بالليل في أثر النهار ، ثم النهار في أثر الليل ، أبدا له في كل واحد من ذلك ؟ قالوا : لا . قال : فكذلك الله تعبد نبيه محمدا بالصلاة إلى الكعبة بعد أن كان تعبده بالصلاة إلى بيت المقدس ، وما بدا له في الأول ، ثم قال : أليس الله يأتي بالشتاء في أثر الصيف ، والصيف في أثر الشتاء ، أبدا له في كل واحد منهما ؟ قالوا : لا . قال : فكذلك لم يبد له في القبلة » . قال : « ثم قال : أليس قد ألزمكم أن تحترزوا في الشتاء من البرد بالثياب الغليظة ، وألزمكم في الصيف أن
--> ( 1 ) في المصدر : وهو مصلحتهم ، وتؤديهم طاعتهم . ( 2 ) في المصدر : حين . ( 3 ) في المصدر زيادة : أبدا له .