السيد هاشم البحراني

331

البرهان في تفسير القرآن

فشكا إبراهيم ( عليه السلام ) ذلك إلى الله عز وجل ، فأوحى الله إليه : إنما مثل المرأة مثل الضلع العوجاء ، إن تركتها استمتعت « 1 » بها ، وإن أقمتها كسرتها ، ثم أمره أن يخرج إسماعيل ( عليه السلام ) وأمه . فقال : يا رب إلى أي مكان ؟ قال : إلى حرمي وأمني ، وأول بقعة خلقتها من الأرض ، وهي مكة . فأنزل الله عليه جبرئيل بالبراق ، فحمل هاجر وإسماعيل وإبراهيم ( عليهما السلام ) ، وكان إبراهيم لا يمر بموضع حسن فيه شجر ونخل وزرع إلا وقال : يا جبرئيل ، إلى هاهنا ، إلى هاهنا ، فيقول جبرئيل : لا ، امض ، امض ، حتى وافى « 2 » مكة ، فوضعه في موضع البيت ، وقد كان إبراهيم ( عليه السلام ) عاهد سارة أن لا ينزل حتى يرجع إليها . فلما نزلوا في ذلك المكان كان فيه شجر ، فألقت هاجر على ذلك الشجر كساء كان معها ، فاستظلوا تحته ، فلما سرحهم « 3 » إبراهيم ووضعهم وأراد الانصراف عنهم إلى سارة ، قالت له هاجر : يا إبراهيم ، أتدعنا « 4 » في موضع ليس فيه أنيس ولا ماء ولا زرع ؟ فقال إبراهيم : الله الذي أمرني أن أضعكم في هذا المكان هو يكفيكم « 5 » . ثم انصرف عنهم ، فلما بلغ كداء - وهو جبل بذي طوى - التفت إليهم إبراهيم ، فقال : رَبَّنا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) * « 6 » ثم مضى ، وبقيت هاجر . فلما ارتفع النهار عطش إسماعيل وطلب الماء ، فقامت هاجر في الوادي في موضع السعي ، ونادت : هل في الوادي من أنيس ؟ فغاب عنها إسماعيل ( عليه السلام ) فصعدت على الصفا ، ولمع لها السراب في الوادي ، فظنت أنه ماء ، فنزلت في بطن الوادي وسعت ، فلما بلغت المسعى غاب عنها إسماعيل ( عليه السلام ) ، ثم لمع لها السراب في ناحية الصفا ، فهبطت إلى الوادي تطلب الماء ، فلما غاب عنها إسماعيل ( عليه السلام ) عادت حتى بلغت الصفا ، فنظرت حتى فعلت ذلك سبع مرات ، فلما كانت في الشوط السابع وهي على المروة ، نظرت إلى إسماعيل ( عليه السلام ) وقد ظهر الماء من تحت رجليه ، فعادت حتى جمعت حوله رملا ، فإنه كان سائلا ، فزمته « 7 » بما جعلته حوله ، فلذلك سميت زمزم . وكانت جرهم نازلة بذي المجاز « 8 » وعرفات ، فلما ظهر الماء بمكة عكفت الطير والوحش على الماء ، فنظرت جرهم إلى تعكف الطير والوحش على ذلك المكان ، فأتبعوها « 9 » حتى نظروا إلى امرأة وصبي نازلين في

--> ( 1 ) في المصدر : استمتعتها . ( 2 ) في المصدر : أتى . ( 3 ) سرّحت فلانا إلى موضع كذا : إذا أرسلته . « الصحاح - سرح - 1 : 374 » . ( 4 ) في المصدر : لم تدعنا . ( 5 ) في المصدر : المكان حاضر عليكم . ( 6 ) إبراهيم 14 : 37 . ( 7 ) زمّته شدّته وحجزته بما جعلت حوله من الرمل . ( 8 ) ذو المجاز : موضع سوق بعرفة على ناحية كبكب . « معجم البلدان 5 : 55 » . ( 9 ) في « س وط » : فأتبعتها .