السيد هاشم البحراني

332

البرهان في تفسير القرآن

ذلك الموضع قد استظلا بشجرة ، وقد ظهر الماء لهما ، فقالوا لهاجر : من أنت ، وما شأنك وشأن هذا الصبي ؟ قالت : أنا أم ولد إبراهيم خليل الرحمن ، وهذا ابنه ، أمره الله أن ينزلنا هاهنا . فقالوا لها : أتأذنين « 1 » لنا أن نكون بالقرب منكما ؟ فقالت لهم : حتى يأتي إبراهيم . فلما زارهما إبراهيم ( عليه السلام ) في اليوم الثالث ، قالت هاجر : يا خليل الله ، إن هاهنا قوما من جرهم يسألونك أن تأذن لهم حتى يكونوا بالقرب منا ، أفتأذن لهم في ذلك ؟ فقال إبراهيم : نعم ، فأذنت هاجر لجرهم فنزلوا بالقرب منهم وضربوا خيامهم ، فأنست هاجر وإسماعيل بهم ، فلما زارهم إبراهيم في المرة الثانية « 2 » نظر إلى كثرة الناس حولهم فسر بذلك سرورا شديدا ، فلما ترعرع إسماعيل ( عليه السلام ) ، وكانت جرهم قد وهبوا لإسماعيل كل واحد منهم شاة أو شاتين ، فكانت هاجر وإسماعيل يعيشان [ بها ] . فلما بلغ إسماعيل ( عليه السلام ) مبلغ الرجال أمر الله إبراهيم ( عليه السلام ) أن يبني البيت ، فقال : يا رب ، في أي بقعة ؟ قال : في البقعة التي أنزلت على آدم القبة فأضاء لها الحرم ، فلم تزل القبة التي أنزلها الله على آدم ( عليه السلام ) قائمة حتى كان أيام الطوفان أيام نوح ( عليه السلام ) ، فلما غرقت الدنيا رفع الله تلك القبة وغرقت الدنيا إلا موضع البيت ، فسميت البيت العتيق ، لأنه أعتق من الغرق . فلما أمر الله عز وجل إبراهيم ( عليه السلام ) أن يبني البيت لم يدر في أي مكان يبنيه ، فبعث الله عز وجل جبرئيل ( عليه السلام ) فخط له موضع البيت ، فأنزل الله عليه القواعد من الجنة ، وكان الحجر الذي أنزله الله على آدم ( عليه السلام ) أشد بياضا من الثلج ، فلما مسته أيدي الكفار اسود . فبنى إبراهيم ( عليه السلام ) البيت ، ونقل إسماعيل ( عليه السلام ) الحجر من ذي طوى ، فرفعه في « 3 » السماء تسعة أذرع ، ثم دله على موضع الحجر ، فاستخرجه إبراهيم ( عليه السلام ) ووضعه في موضعه الذي هو فيه الآن ، وجعل له بابين : بابا إلى الشرق ، وبابا إلى الغرب والباب الذي إلى الغرب يسمى المستجار ، ثم ألقى عليه الشجر والإذخر ، وألقت « 4 » هاجر على بابه كساء كان معها ، وكانوا يكنون تحته . فلما بناه وفرغ منه حج إبراهيم وإسماعيل ( عليهما السلام ) ، ونزل عليهما جبرئيل ( عليه السلام ) يوم التروية لثمان من ذي الحجة ، فقال : يا إبراهيم قم فارتو من الماء . لأنه لم يكن بمنى وعرفات ماء . فسميت التروية لذلك ، ثم أخرجه إلى منى فبات بها ، ففعل به ما فعل بآدم ( عليه السلام ) . فقال إبراهيم ( عليه السلام ) لما فرغ من بناء البيت والحج : * ( رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وارْزُقْ أَهْلَه مِنَ الثَّمَراتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّه والْيَوْمِ الآخِرِ ) * : قال : من ثمرات القلوب ، أي حببهم إلى الناس لينتابوا إليهم « 5 » ويعودوا

--> ( 1 ) في المصدر : فقالوا لها : أيّها المباركة أفتأذني . ( 2 ) في المصدر : الثالثة . ( 3 ) في المصدر : إلى . ( 4 ) في المصدر : وعلَّقت . ( 5 ) انتاب الرجل القوم انتيابا : إذا قصدهم وأتاهم مرّة بعد مرّة . « لسان العرب - نوب - 1 : 775 » .