السيد هاشم البحراني

293

البرهان في تفسير القرآن

والنواصب * ( ما تَتْلُوا ) * ما تقرأ * ( الشَّياطِينُ عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ) * وزعموا أن سليمان بذلك السحر والتدبير والنيرنجات « 1 » ، نال ما ناله من الملك العظيم ، فصدوهم به عن كتاب الله . وذلك أن اليهود الملحدين والنواصب المشاركين لهم في إلحادهم لما سمعوا من رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) فضائل علي بن أبي طالب ( عليه السلام ) ، وشاهدوا منه ومن علي ( عليهما السلام ) المعجزات التي أظهرها الله تعالى لهم على أيديهما ، أفضى بعض اليهود والنصاب إلى بعض ، وقالوا : ما محمد إلا طالب الدنيا بحيل ومخاريق وسحر ونيرنجات تعلمها ، وعلم عليا بعضها ، فهو يريد أن يتملك علينا في حياته ، ويعقد الملك لعلي بعده ، وليس ما يقوله عن الله بشيء ، إنما هو قوله ، فيعقد علينا وعلى ضعفاء عباد الله بالسحر والنيرنجات التي يستعملها . وأوفر الناس كان حظا من هذا السحر سليمان بن داود ، الذي ملك بسحره الدنيا كلها من الجن والإنس والشياطين ، ونحن إذا تعلمنا بعض ما كان تعلمه سليمان بن داود ، تمكنا من إظهار مثل ما يظهره محمد وعلي ، وادعينا لأنفسنا بما يجعله محمد لعلي ، وقد استغنينا عن الانقياد لعلي . فحينئذ ذم الله تعالى الجميع من اليهود والنواصب ، فقال الله عز وجل : * ( نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ كِتابَ اللَّه ) * الآمر بولاية محمد وعلي * ( وَراءَ ظُهُورِهِمْ ) * « 2 » فلم يعملوا به * ( واتَّبَعُوا ما تَتْلُوا ) * كفرة * ( الشَّياطِينُ ) * من السحر والنيرنجات * ( عَلى مُلْكِ سُلَيْمانَ ) * الذين يزعمون أن سليمان به ملك ، ونحن أيضا به نظهر العجائب حتى ينقاد لنا الناس ، ونستغني عن الانقياد لعلي . قالوا : وكان سليمان كافرا ساحرا ماهرا ، بسحره ملك ما ملك ، وقدر على ما قدر ، فرد الله تعالى عليهم ، وقال : * ( وما كَفَرَ سُلَيْمانُ ) * ولا استعمل السحر ، كما قال هؤلاء الكافرون * ( ولكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ) * أي بتعليمهم الناس السحر الذي نسبوه إلى سليمان كفروا . ثم قال عز وجل : * ( وما أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبابِلَ هارُوتَ ومارُوتَ ) * قال : كفر الشياطين بتعليمهم الناس السحر ، وبتعليمهم إياهم بما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت ، اسم الملكين . قال الصادق ( عليه السلام ) : وكان بعد نوح ( عليه السلام ) قد كثر السحرة والمموهون ، فبعث الله تعالى ملكين إلى نبي ذلك الزمان بذكر ما يسحر به السحرة ، وذكر ما يبطل به سحرهم ، ويرد به كيدهم ، فتلقاه النبي عن الملكين ، وأداه إلى عباد الله بأمر الله ، وأمرهم أن يقفوا به على السحر وأن يبطلوه ، ونهاهم أن يسحروا به الناس ، وهذا كما يدل على السم ما هو ، وعلى ما يدفع به غائلة « 3 » السم ، ثم يقال لمتعلم ذلك : هذا السم فمن رأيته سم فادفع غائلته بكذا ، وإياك أن تقتل بالسم أحدا . ثم قال : * ( وما يُعَلِّمانِ مِنْ أَحَدٍ ) * وهو أن ذلك النبي أمر الملكين أن يظهرا للناس بصورة بشرين ، ويعلماهم

--> ( 1 ) النّيرنج : أخذ كالسحر وليس به ، أي ليس ، بحقيقته ولا كالسحر ، إنّما هو تشبيه وتلبيس . « تاج العروس - نرج - 2 : 105 » . ( 2 ) سورة البقرة 2 : 101 . ( 3 ) الغائلة : الشر ، والمراد هنا : المضرّة .