مرتضى الزبيدي

469

تاج العروس

وقد جاءَ عن الأَصْمَعِيّ لكِنَّه قَلِيل . ولمَّا كان تَصْرِيفُ هذه الكَلِمَة وَارِداً على خِلاف الأصْل خَالفَ قاعِدَتَه في تقديم المُؤَنَّث على المُذَكَّر ، قاله شَيخُنا . قال الأَصمَعِيّ ، يقال لِلَّذِي يُغَنِّي : الزَّامر والزَّمَّار . وفِعْلُهُمَا ، أَي زَمَر وزَمَّر ، الزِّمَارَة ، بالكَسْر على القِياس كالكِتَابةَ والخِيَاطَة ونَحْوِهما . ومن المَجَاز ، في حديث أبِي مُوسَى الأشْعَرِيّ " سَمِعه النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ فقال : " لقد أُعطِيتَ مِزْماراً من مَزامِيرِ آلِ دَاوودَ " شَبَّهَ حُسْنَ صَوْتِه وحَلاوةَ نَغْمته بصَوْتِ المِزْمَار . ومَزامِيرُ دَاوودَ ، عَليه السلام : ما كان يَتَغَنَّى به من الزَّبُورِ ، وإليه المُنْتَهَى في حُسْنِ الصَّوْتِ بالقراءَة . والآلُ في قوله : " آل داوود " مُقْحَمة ، قيل : مَعْنَاه ها هنا الشَّخْص . وقيل : مَزامِيرُ داَوودَ : ضُرُوبُ الدُّعَاءِ ، جمْعُ مِزْمارٍ ومَزْمُورٍ ( 1 ) ، الأخيرة عن كرُاع ، ونظيره مَعْلُوق ومَغْرُود . وفي حَدِيث أبي بكر رضي الله عنه " أَبِمَزْمُورِ الشَّيْطَانِ في بَيْتِ رسول الله " وفي رواية : " مِزْمَارَة الشَّيْطَانِ عند النبي صلى الله عليه وسلم " . قال ابن الأثِير : المَزُمْور ، بفتح الميم وضَمِّها ، والمِزْمارُ سواءٌ ، وهو الآلةُ التي يُزْمَرُ ( 2 ) بها . والزَّمَّارَةُ كجَبَّانَةٍ : ما يُزْمَرُ به وهي القَصَبَة ، كما يُقَالُ للأَرضِ التي يُزْرَعِ فيها زَرَّاعَة ، كالمِزْمَار ، بالكَسْر . ومن المَجَاز : الزَّمَّارة : السَّاجُورُ الذي يُجْعَل في عُنقِ الكَلْب . قال الزَّمَخْشَرِىّ : واستُعِير للجَامِعَة . وكتبَ الحَجَّاج إلى بَعض عُمَّاله أَن ابْعث إليَّ فُلاناً مُسمَّعاً مُزَمَّراً ، أَي مُقَيَّداً مُسَوْجَراً ، وأنشد ثعلب : وليِ مُسْمِعانِ وزَمَّارةٌ * وظِلٌّ مَدِيدٌ وحِصْنٌ أمَقّ فسَّرَه فقال : الزَّمَّارة : السَّاجور . والمُسْمِعَانِ : القَيْدَان ، يَعنِي قَيْدَيْن وغُلَّيْنِ . والحِصْن : السِّجْن ، وكلّ ذلك على التَّشبيه . وهذا البَيْتُ لبعض المُحَبَّسِينَ ، كان مَحْبُوساً . فمُسْمِعَاه قَيْدَاه ، لصَوْتِهما ( 3 ) إِذَا مشَى . وزَمَّارَتُه السَّاجْور والظل والحِصْن : السِّجن وظُلْمته : وفي حديث سَعِيد بن جُبَيْر " أَنه أُتِيَ به الحَجَّاجُ وفي عُنقه زَمَّارةٌ " . [ الزمارة ] ( 5 ) أَي الغُلّ . والزَّمَّارةِ : الزَّانِيَةُ ، عن ثَعْلَب . قال : لأنَّها تُشِيعُ أمْرَها . وفي حديث أبي هُرَيْرَةَ " أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم نَهَى عن كَسْب الزَّمّارةُ . قال أبُو عَُيْد قال الحَجَّاج : الزَّمّارةُ : الزَّانِيَةُ . قال : وقال غيره : إنَّما هي الرَّمَّازة ، بتَقْدِيم الرَّاءِ على الزَّاي ، من الرَّمْزِ ، وهي التي تُومِئُ بشَفَتَيْهَا وبِعَيْنَيها وحاجِبَيْهَا ، والزَّوانِي يَفْعَلْن ذلك ، والأوَّلُ الوَجْهُ . وقال أبو عُبَيْد : هي الزَّمَّارة ، كما جاءَ في الحَدِيث . قال الأَزْهَرِيّ : واعترض القُتَيْبِيُّ على أبي عُبَيْد في قوله : هي الزَّمَّارة ، كما جاءَ في الحَدِيث ، فقال : الصَّواب الرَّمَّازَة ، لأنَّ من شَأْنِ البَغِيّ أَن تُومِضَ ( 6 ) بعَيْنها وحاجِبِها ، وأنشد : يُومِضْن بالأعَيُنِ والحَوَاجِبِ * إيماضَ بَرْقٍ في عَمَاءٍ ناصِبِ قال الأَزْهَرِيّ : وقوله أبي عبيد عندي الصوابُ . وسُئلِ أبو العبّاس أحمد بن يحيى عن مَعْنَى الحَدِيث " أنه نَهَى عن كَسْب الزّمَّارة " فقال : الحَرْف الصَّحيحُ ( 7 ) زَمَّارة . ورَمَّازةٌ ها هنا خَطَأٌ ، والزَّمَّارة : البَغِيّ الحَسْنَاءُ . والزَّمِيرُ : الغُلامُ . الجَمِيل ( 8 ) ، وإنَّما كان الزِّنَا مع المِلاَح لامعَ القِبَاحِ . قال الأَزْهَرِيّ : للزَّمَّارَة في تفسيرِ ما جاء الحَدِيث وَجْهَانِ : أحدهما أَن يَكونَ النّهْيُ عن كَسْب المُغَنِّيَة ، كما رَوَى أبو حَاتم عن الأَصمَعِيّ ، أو يَكون النَّهْيُ عن كَسْبِ البَغْيِّ ، كما قال أبو عُبَيدٍ وأحمد بن يحيى ، وإذا رَوَى الثِّقاتُ للحديثِ تَفْسِيراً له مَخْرَجٌ ، لم يَجُزْ أَن يُرَدَّ عليهم ، ولكِن تُطلَب له المَخَارِجُ من كلامِ العَرَب . ألا تَرَى أَنَّ أبا عبيدٍ وأبا العَبَّاس لَمَّا وَجَدَا لما قال الحَجَّاج وَجْهاً في اللُّغَة لم يَعْدُوَاه . وعَجِلِ القُتَيْبِيّ ولم يَتَثَبَّت ، ففسَّر الحَرْفَ على الخِلاف . ولو فَعَل فِعْل أبي عبيد وأبي العَبِّاس كان أَوْلَى به ، قال : فإِيَّاك والإِسراعَ إلى تَخْطِئة الرُّؤَساءِ ونِسْبَتهم إلى التَّصْحِيف ، وتأَنَّ في مِثْل هذا غَايَةَ التَّأَنِّي ، فإنِّي قد عَثَرْت على حُروف كَثِيرةٍ رَواها الثِّقَاتُ فغَيِّرهَا مَنْ لا عِلم له بها ، وهي صَحِيحَة .

--> ( 1 ) ضبطت في اللسان بضم أوله ، وكذلك في معلوق ومغرود وكله ضبط قلم . ( ط . دار المعارف - مصر ) . ( 2 ) هذا ضبط اللسان ، وضبطت في النهاية بتشديد الميم المفتوحة . ( 3 ) في المطبوعة الكويتية : " لصوتا " تحريف . ( 4 ) في اللسان : والظل والحصن . ( 5 ) زيادة عن اللسان . ( 6 ) في التهذيب : أن ترمز بعينها وحاجبيها . ( 7 ) الأصل واللسان ، وفي التهذيب : فقال : الحرف صحيح ، زمارة ورمازة ، وقال : ورمازة ههنا خطأ . ( 8 ) في التهذيب ، عن أبي عمرو ، الجميل الوجه .