مرتضى الزبيدي

379

تاج العروس

" مِنْ " من الأَخْتيَار ، لأَنَّه مأْخُوذٌ من قولك : هؤلاءِ خَيرُ القَوم وخَيْرٌ مِن القَوم ، فلمَّا جازَت الإِضافة مَكَانَ مِنْ ، ولم يَتَغَيَّر المَعْنَى ، استَجازوا أَن يَقُولُوا : اختَرْتُكُم رَجُلاً واخْتَرْت مِنْكم رَجُلاً . وأَنْشَد : * تَحْت الَّتِي اخْتَارَ له اللهُ الشَّجَرْ * يُرِيدُ اخْتَارَ الله له مِنَ الشَّجَرْ . وقال أَبُو العَباس : إِنَّمَا جَازَ هذا لأَنَّ الاخْتِيَارَ يَدُلُّ عَلى التَّبْعيض ، ولِذلِك حُذِفَت " مِن " . واخْتَرْتُه عَلَيْهم ، عُدِّيَ بعَلَى لأَنَّه في مَعْنَى فَضَّلْتُه . وقال قَيْس ابن ذَرِيحٍ : لعَمْرِي لَمَنْ أَمْسَى وأَنْتِ ضَجِيعُه * مِنَ النَّاسِ ما اخْتِيَرت عَلَيْه المَضَاجعُ معناه : ما اخْتيِرت على مَضْجَعه المضاجِعُ ، وقيل : ما اخْتِيرَت دُونَه . والاسْم من قَوْلِكَ : اخْتَارَه اللهُ تَعالى الخِيرَةُ ، بالكَسْر ، والخِيَرَةُ ، كعِنَبَة ، والأَخِيرَة أَعْرَف . وفي الحَدِيث " مُحَمَّد صَلَّى اللهُ عليه وسَلَّم خِيرَتُه من خَلْقِه " وخِيَرَتُه ، ويقال : هذا وهذه وهؤُلاءِ خِيرَتِي ، وهو ما يَخْتَاره عليْه . وقال اللَّيْثُ : الخِيرَةُ . خَفِيفَةً مَصْدَرُ اختار خِيرَةً ، مِثْل ارْتَابَ رِيبَةً . قال : وكُلُّ مَصْدَرٍ يَكُون لأَفْعَل فاسْمُ مَصْدرِه فَعَالٌ مِثْل أَفاق يُفِيق فَوَاقاً ، وأَصابَ يُصِيبُ صَواباً ، وأَجَاب جَواباً ، أَقَامَ الاسْمَ مُقَامَ المَصْدر . قال أَبُو مَنْصُور : وقَرَأَ القُرَّاءُ : ( أَنْ يَكُونَ لَهُم الخِيَرَةُ ) ( 2 ) بفَتْحِ اليَاءِ ، ومثُله سَبْيٌ طِيَبَةٌ . وقال الزَّجَّاج : " مَا كَان لَهُم الخِيَرَةُ " ( 3 ) . أَي لَيْسَ لَهُم أَنْ يَخْتَاروا على اللهِ . ومِثْلُه قَوْل الفَراءِ . يقال : الخِيرَةُ والخِبيَرَةُ ، كُلُّ ذلِك لِمَا يَخْتَاره من رَجُلٍ أَو بَهِيمَة . وخَارَ اللهُ لَكَ في الأَمْرِ : جَعَلَ لَكَ ما فيهِ الخَيْر . وفي بَعْضِ الأُصول : الخَيِرَةُ والخِيرَةُ بسكون الياءِ الاسْم مِنْ ذَلِك . وهو أَخْيَرُ مِنْك ، كخَيْر ، عن شَمِرٍ . وإِذَا أَردْتَ مَعْنَى التَّفْضِيل قلت : فُلانٌ خَيْرَةُ النَّاسِ ، بالهَاءِ ، وفلانَةُ خَيْرُهم بِتَرْكِهَا ، كذا في سائِر أُصُولِ القَامُوس ، ولا أَدْرِي كَيْف ذلك . والَّذِي في الصّحاح خِلافُ ذِلك ، ونَصُّه : فإِنْ أَرَدْت مَعْنَى التَّفْضِيل قُلْت : فُلانَةُ خَيْرُ النَّاسِ . ولم تَقُل خَيْرَة . وفُلانٌ خَيْرُ النَّاسِ ولم تَقُل أَخْيَرُ ، لا يُثَنِّي ولا يُجْمَع ، لأَنه في معْنَى أَفْعَل ، وهكذا أَوْرَدَه الزَّمَخْشَرِيّ مُفَصَّلاً في مَواضِعَ من الكشَّاف ، وهو من المُصَنِّف عَجِيبٌ . وقد نَبَّه على ذلك شَيْخُنَا في شَرْحه ، وأَعْجَبُ منه أَنَّ المُصَنِّف نَقَل عِبَارَةَ الجَوْهَرِيّ بنصَّهَا في بَصَائر ذَوِي التَّمْيِيز ، وذَهَب إِلى ما ذَهَبَ إِليه الأَئِمَّةُ ، فليُتَفَطَّن لِذلِك . أَو فُلانَةُ الخَيْرَةُ من المَرأَتَيْن ، كذا في المُحْكَم ، وهي الخَيْرَة ، بفَتْح فَسْكُون . والخَيْرَةُ : الفاضِلَة من كُلِّ شَيْءٍ جَمْعُها الخَيْرَات . وقال الأَخْفَش إِنّه لَمَّا وُصِفَ به وقِيل فُلانٌ خَيْرٌ ، أَشْبَه الصِّفَات فأَدْخَلُوا فِيه الهَاءَ للمُؤَنَّث ولم يُرِيدُوا به أَفْعَل . وأَنْشَد أَبُو عُبَيْدَة لِرَجُل من بَنِي عَدِيِّ تَيْمِ تَمِيمٍ ( 4 ) جَاهلّي : ولقد طَعَنْتُ مَجامٍِعَ الرَّبَلاتِ * رَبَلاَتِ هِنْدٍ خَيْرَةِ المَلَكَاتِ والخَيرَةُ . بكَسْر فسُكُون ، والخَيِرَي ، كضِيزَى ، والخُورَى ، كطُوبى ، ورَجُلٌ خَيْرَي وخُورَى وخِيرَى كحَيْري وطُوبَى وضِيزَى ولو وَزَنَ الأَوَّل بِسَكْرَى كان أَحْسَن : كَثِيرُ الخَيْرِ ، كالخَيْرِ والخَيِّر . وخَايَرَهُ في الخَطِّ ( 5 ) مُخَايَرَةً : غَلَبَه . وتَخَايَرَا في الخَطِّ وغَيْرِه إِلى حَكَمٍ فَخَارَه ، كَانَ خَيْراً مِنْه ، كفَاخَرَه ففَخَرَه ، ونَاجَبَه فنَجَبَه . والخِيَارُ ، بالكَسرْ : القِثاءُ ، كما قاله الجَوْهَرِيّ ، وليس بعربِيّ أَصِيل كما قَاله الفَنارِيّ ، وصَرَّح به الجوْهَرِيّ ، وقيل : شِبْهُ القِثَّاءِ ، وهو الأَشْبَهُ ، كما صَرَّحَ به غَيْرُ واحِدِ . والخِيَارُ : الاسْمُ مِنَ الاخْتِيَار وهو طَلَبُ خَيْرِ الأَمْرَيْنِ ، إِمَّا إِمْضَاءُ البَيْع أَو فَسْخه . وفي الحَدِيث : " البَيِّعَانِ بالخِيَارِ ما لَمْ يَتَفَرَّقَا " . وهو على ثَلاَثَةِ أَضْرُبٍ : خِيَارُ المَجْلِس ، وخِيَارُ الشَّرْطِ ، وخِيَارُ النَّقٍيصَة ، وتَفصيله في كُتُب الفِقْه . وقَوْلُهُم : لَكَ خِيرَةُ هذِه الغَنَمِ وخِيَارُهَا . الواحِد والجَمْع

--> ( 1 ) زيادة عن التهذيب واللسان . ( 2 ) سورة الأحزاب الآية 36 . ( 3 ) سورة القصص الآية 68 . ( 4 ) في الصحاح : " عدي تميم " وفي اللسان : " عدي تيم تميم " . ( 5 ) عن الأساس ، وبالأصل : " الحظ " .