مرتضى الزبيدي
364
تاج العروس
وشَرْحِها للإِمام كَمالِ الدِّينِ بن الهُمَام في كِتَابِ الحُدُود ، لَيْس هذا مَحَلّه [ سميت خمرا ] ( * ) . واختُلِف في وَجْه تَسْمَيتِه ، فقيل لأَنَّهَا تَخْمُرُ العَقْل وتَسْتُرُه ، قال شيخُنَا : هو المَرْوِيّ عن سَيِّدنا عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه ، ومَالَ إِلَيْه كَثِيرُون ، واعْتَمَده أَكْثَرُ الأُصُولِيِّين . قُلتُ : الذي رُويَ عن سَيِّدنا عُمَرَ رَضِي اللهُ عنه : " الخَمْر : ما خامَرَ العَقْلَ " . وهو في صحيح البُخَارِيّ كما سيأْتي ، أَو لأَنَّهَا تُرِكَتْ حَتَّى أَدْرَكَتْ واخْتَمَرَتْ . والَّذي نَقَلَه الجَوْهَرِيّ وغَيرُه عن ابْنِ الأَعْرَابِيّ ما نَصُّه : وسُمِّيَت الخَمْرُ خَمْراً لأَنَّهَا تُرِكَت فاخْتَمَرَت ، واخْتِمَارُهَا تَغَيُّر رِيحِها ، فلو اقْتَصَر المُصَنِّف على النَّصِّ الوارِد كان أَوْلَى ، أَو قَدَّم اخْتَمَرت على أَدْرَكَت لِيَكُون كالتَّفْسِير لَه ، وهو ظَاهِرٌ ، أَو لأَنَّها تُخَامِرُ العَقْلَ ، أَي تُخَالِطُهُ ، وهو الَّذِي رُوِيَ في الحدِيث عن سَيِّدِنا عُمَرَ رَضِيَ اللهُ عنه ونَصُّه : " الخَمْر ما خَامَرَ العَقْلَ " . وهو في البُخَارِيّ ، ونَقَله ابنُ الهُمام في شَرْح الهِدايَة ، وأَوردَه المُصَنِّفُ في البَصَائِر . وعِبَارَةُ المُحْكَم : الخَمْر : ما أَسْكَرِ من عَصِير العِنَب ، لأَنَّهَا خامَرَت العَقْلَ ، ثم قال بَعْدَه بِقَلِيل : والمُخامرةُ المُخَالَطَة . وفي المِصْبَاح : الخَمْرُ : اسمٌ لكلّ مُسْكِرٍ العَقْلَ [ أي غطاه ] ( 1 ) . واخْتَمَرَت الخَمْرُ : أَدْرَكَتْ وغَلَت . والعَرَب تُسَمِّي العِنَب خَمْراً . قال ابنُ سِيدَه : وأَظُنَّ ذلِك لكَوْنِهَا مِنْه ، حَكَاها أَبُو حَنِيفَة . قال : وهي لُغَة يَمَانِيَة وقَالَ في قَوْلِه تَعَالى : ( إِنِّي أَرانِي أَعْصِرُ خَمْراً ) ( 2 ) . إِنَّ الخَمْرَ هنا العِنَب . قال : وأُراهُ سَمَّاه باسْمِ مَا فِي الإِمْكَان أَنْ تَؤُولَ إِلَيْه ، فَكأَنَّه قال : أَرَانِي أَعْصِر عِنَباً . قال الراعي : يُنَازِعُنِي بِهَا نُدْمانُ صِدْق * شِواءَ الطَّيْرِ والعَنِبَ الحَقِينَا ( 3 ) يُرِيدُ الخَمْر . وقال ابنُ عَرَفَة : " أَعْصِر خَمْراً " ، أَي أَسْتَخْرِجُ الخَمْرَ ، وإِذا عُصِرَ العِنَبُ فإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ به الخَمْرُ ، فلِذلِك قال : أَعْصِر خَمْراً . قال أَبو حَنِيفَة : وزعَم بَعْضُ الرُّوَاة أَنَّه رَأى يَمانِياً قد حَمَل عِنَباً ، فقال له : ما تَحْمل ؟ فقال : خَمْراً ، فسَمِّي العِنَب خَمْراً . والجَمْع خُمُورٌ ، وهي الخَمْرَة ، كتَمْرة وتَمْر وتُمُورٌ . وفي حَدِيث سَمْرَةَ : " أَنَّه باعَ خَمْراً فقال عُمَرُ : قاتَلَ اللهُ سَمَرةَ " . قال الخَطَّابِيّ : إِنَّما باع عَصِيراً ممن يَتَّخذُه خَمْراً فسَمَّاه باسْمِ ما يَؤُولُ إِليْه مَجَازاً ، فَلِهذا نَقَمَ عُمرُ رَضِي اللهُ عنه عَلَيْه لأَنَّه مَكْرُوهٌ . وأَمَّا أَنْ يَكُونَ سَمُرةُ باعَ خَمْراً فَلاَ ، لأَنَّه لا يَجْهَل تَحْرِيمه مع اشْتِهَاره ، فاتَّضَح لَكَ مِمَّا ذكرنا أَنَّ قولَ شَيْخِنا : هذا القَوْلُ غَرِيبٌ ، غَرِيبٌ . والخَمْر : السَّتْر ، خَمَرَ الشَّيْءَ يَخْمُره خَمْراً : سَتَرَه . والخَمْرُ : الكَتْمُ ، كالإِخْمارِ ، فِيهِما : يقال ، خَمَرَ الشيْءَ وأَخْمَرَ سَتَرَه . وخَمَرَ فُلانٌ الشَّهادةَ وأَخْمَرها : كَتَمها ، وهو مَجَاز . وفي الحَدِيثِ " لا تَجِدُ المُؤْمِنَ إِلاَّ في إِحْدَى ثَلاثٍ . في مَسجدٍ يَعْمُره ، أَو بَيْتٍ يَخْمُرُه ، أَو مَعيشَةٍ يُدَبِّرُها " . يَخْمُره أَي يَسْتُره ويَصْلِح من شَأْنِه . والخَمْر : سَقْيُ الخَمْرِ . يقال : خَمَرَ الرَّجلَ والدَّابَّةَ ، يَخْمُره خَمْراً : سَقَاه الخَمْرَ . وعن أَبي عَمرو : الخَمْرُ : الاسْتِحْيَاءُ ، تقول : خَمَرتُ الرَّجلَ أَخْمُره استَحْيَيتَ منه . والخَمْرُ : تَرْكُ اسِتْمَال العَجِين والطِّين ، هكذا في النُّسَخ ، الطَّين بالنُّون ، ويقال الطِّيب بالباءِ ، كما في أُمَّهات الُّلغَة ، ونَحْوِه . والَّذِي في المُحْكَم : ونَحْوِهما . وذلك إِذَا صَبَّ فيه المَاءَ وَتَرَكَه حتى يَجُودَ ، أَي يَطِيب ، كالتَّخْميرِ . والفِعْلُ كضَرَبَ ونَصَرَ . يقال خَمَر العَجِينَ يَخْمُره ويَخْمِره ، خَمْراً ، وخَمَّرَه ، تَخْمِيراً ، وهو خَمِيرٌ ومُخَمَّر ، وقد اخْتَمَر الطِّيبُ والعَجِينُ وقيل : خَمَّرَ العَجِينَ : جَعَلَ فيه الخَمِيرَ . والخِمْرُ ، بالكَسْر : الغِمْرُ . الغَيْن لُغَة في الخاءِ ، وهو الحِقْد . وقد أَخْمَرَ .
--> ( * ) ما بين معكوفتين ساقطة من المطبوعين المصرية والكويتية وما أثبتناه من القاموس . ( 1 ) زيادة عن المصباح . ( 2 ) سورة يوسف الآية 36 . ( 3 ) ديوانه ص 268 وفيه : " ونازعني " بدل " ينازعني " وانظر فيه تخريجه .