مرتضى الزبيدي
263
تاج العروس
ساقَ حرّ ، فقال : ساقَ حُرٍّ ، إن كان مضافاً ، أو ساقَ حُرّاً إن كان مُركَّباً ، فيَصْرِفُه لأنه نكرةٌ ، فتَرْكُه إعرابَه يَدلُّ على أنه حَكَى الصوتَ بعَيْنِه ، وهو صيَاحُه : ساق حُرّ ساق حُرّ ، وأمّا قولُ حُمَيْدِ بنِ ثَوْرٍ السابقُ فلا يدلُّ إِعرابُه على أَنه ليس بصوتٍ ، ولكنّ الصوتَ قد يُضافُ أَوّله إلى آخره ، وكذلك قولُهم : خازِبارِ ، وذلك أنه في اللَّفْظِ أشْبَهَ بابَ دارٍ ، قال : والرِّوايَةُ الصحيحةُ في شعر حُمَيْد : * دَعَتْ ساقَ حُرٍّ في حَمَامٍ تَرَنَّمَا ( 1 ) * وقال أبو عَدْنَانَ : يَعْنُونَ بساقِ حُرّ لَحْنَ الحمامةِ . قلتُ : وَنَقَلَ هذا الكلاَم كلَّه شيخُنَا ، عن شارِح المَقَاماتِ عبد الكريمِ بنِ الحُسَيْن بنِ جَعْفَرٍ البَعْلَبَكِيِّ ، في شَرْحِه عليها ، ونَظَر فيه مِن وُجُوهٍ ، ظانّاً أنه كلامُه ، وليس كذلك ، بل هو مأْخوذٌ من كتاب المُحْكَمِ لابن سِيدَه ، وكذا نَظرَ فيما تَصَرَّفَه ابنُ جِنِّي ، فلْيُنْظَرْ في الشَّرْح ، قال : ومِن أَظرَف ما قيلَ في ساق حرّ قولُ مالكِ بنِ المُرَحِّلِ ، كما أَنْشَدَه الشريفُ الغِرْناطِيُّ رَحِمَه اللهُ في شَرْح مَقْصُورةِ حازِمٍ المشهورةِ ، وسمعتُه مِن شَيْخَيْنا الإمامَيْنِ : أبي عبدِ اللهِ محمّدِ بن المسناويِّ ، وأبي عبدِ الله بنِ الشَّاذِلِيِّ ، رضيَ اللهُ عنهما ، مِراراً : رُبَّ رَبْعٍ وَقَفتُ فيه وعَهْدٍ * لم أُجاوِزْه والرَّكَائِبُ تَسْرِي أَسْأَلُ الدّارَ وهْي قَفْرٌ خَلاءٌ * عن حَبيبٍ قد حَلّهَا منذُ دَهْرِ حيثُ لا مُسْعِدٌ على الوَجْدِ إلاّ * عَيْنُ حُرٍّ تَجُودُ أَو ساقُ حُرِّ أي عينُ شَخْصٍ حُرٍّ تُساعِدُه على البُكاءِ أو هذا النوعُ مِن القَمَارِيِّ يَنوحُ معه . والحُرَّانِ : الحُرُّ ، وأَخُوه أُبَيٌّ ، وهما أخَوانِ ، وإذا كان أخَوانِ أو صاحِبانِ ، وكان أحدهما أشْهرَ من الآخَرِ سُمِّيَا جميعاً باسم الأشْهَرِ ، قال المُنَتَخِّل ( 2 ) اليَشْكُرِيُّ : أَلاَ مَنْ مُبْلِغُ الحُرِّيْنِ عَنِّي * مُغَلْغَلَةً وخصَّ بها أُبَيَّا فإِن لم تَثْأَرَا لي مِنْ عِكَبٍّ * فلا أَرْوَيْتُمَا أَبَداً صَدَيَّا يُطَوِفُ بي عِكَبُّ في مَعَدٍّ * ويَطْعَنُ بالصُّمُلَّةِ في قَفَيَّا قالوا : وسَببُ هذا الشِّعرِ أنّ المُتَجَرِّدَةَ امرأَةَ النُّعْمَانِ كانت تَهْوَى المُتَنَخّلَ هذا ، وكان يَأْتِيها إذا رَكِبَ النُّعْمانُ ، فلا عَبَتْه يوماً بقَيْدٍ ، فجَعَلَتْه في رِجْلَه ورِجْلِهَا ، فدَخَلَ عليهما النُّعْمَانُ وهما على تلك الحالِ ، فَأَخَذَ المُتَنَخِّل ، وَدَفَعَه إلى عِكَبٍّ اللَّخمِيِّ صاحبِ سِجْنِه ، فَتَسَلَّمَه ، فجَعَلَ يَطْعَنُ في قَفَاه بالصُّمُلَّةِ ، وهي حَرْبَةٌ كانتْ في يَدِه . والحِرُّ بالكسر وتشديدِ الرّاءِ : فَرْجُ المرأَةِ ، لغةٌ في المُخَفَّفةِ عن أبي الهَيْثم ، قال : لأن العربَ استثقلتْ حاءً قبلَهَا حرْفٌ ساكنٌ ، فحَذَفُوهَا وشَدَّدُوا الرّاءَ ، وهو في حديث أَشْرَاطِ السّاعَةِ : " يُسْتَحَلُّ الحِرُ والحَرِيرُ " . قال ابن الأثِير : هكذا ذَكَرَ أبو موسَى في حرف الحاءِ والراءِ ، وقال : الحِرُ ، بتخفيف الرّاءِ : الفَرْجُ ، وأصلُه حِرْحٌ ، بكسرِ الحاءِ وسكونِ الرّاءِ ، ومنهم مَن يُشَدِّدُ الرّاءَ ، وليس بجَيّدٍ ، فعلى التَّخْفِيف يكونُ في ح رح لا في ح ر ر ، قال : والمشهور في رواية هذا الحديث على اختلاف طُرُقِه : يَسْتَحِلُّونَ الخَزَّ والحَرِيرَ ، بالخاءِ والزّاي ، وهو ضَرْبٌ مِن ثياب الإِبْرَيْسَمِ معروفٌ ، وكذا جاءَ في كتابِ ( 3 ) البُخَارِيِّ وأَبي داوُودَ ، ولعلَّه حديثٌ آخَرُ جاءَ كما ذَكَرَه أبو موسى ، وهو حافِظٌ عارِفٌ بما رَوَى وَشَرَح ، فلا يُتَّهَمُ . وذُكِرَ في ح ر ح ، لأنه يُصغَّرُ على حُرَيْحٍ ، ويجمع على أَحْراحٍ ، والتصغيرُ وجمْع التكسيرِ يَرُدّانِ الكلمةَ إلى أُصُولها . وتقدَّم الكلام هناك ، فراجِعْه . والحَرَّةُ ، بالفتح : البَثْرَةُ الصَّغِيرَةُ ، عن أبي عَمْروٍ . وعن ابن الأَعرابيّ : الحَرَّة : العَذَابُ المُوجِعُ ، والظُّلْمَة الكثيرة ، نقلَهما الصاغانيُّ . وحِرارُ العَرَبِ كثيرةٌ ، فمنها :
--> ( 1 ) ضبطت " حر " هنا في التهذيب بفتح الحاء ، نقلا عن أبي عدنان . وما أثبت ضبطه عن اللسان . ( 2 ) كذا بالأصل واللسان ، وصوابه " المنخل " وهو من شعراء الحماسة . ( 3 ) في النهاية : كتابي .