مرتضى الزبيدي
350
تاج العروس
بغدَادَ ، سمعَ محمّد ابن طَرْخان التُّركيّ ( 1 ) . والبَرِيد : المرتَّبُ ، كما في الصّحاح . وفي الحديث : " لا أَخِيسُ بالعَهْد ، ولا أَحْبِس البُرْد " أَي لا أَحبِسُ الرُّسُلَ الوَارِدين عليّ . قال الزّمخشريّ : البُرْدُ ساكناً : جمْعُ بَريدٍ ، وهو الرَّسُول ، فَخّفف عن بُرُدٍ كرُسُلٍ ورُسْل ، وإِنّمَا خَفّفه هنا ليُزاوجَ العَهْد . وفي المصباح : ومنه قولُ بعض العرب الحُمَّى بَرِيدُ الموتِ ، أَي رسولُه . وفي العِناية أَثناءَ سورة النساءِ : سُمِّيَ الرّسولُ بَرِيداً لِرُكُوبه البَريدَ ، أَو لقَطْعِه البَريدَ ، وهي المسافَة ، وهي فَرسَخَانِ . كلٌّ فرْسَخٍ ثلاثةُ أَميالٍ ، والمِيلُ أَربعةُ آلافِ ذِرَاع . أَو أَربَعَةُ فَرَاسَخَ ، وهو اثنَا عَشَرَ مِيلاً . وفي الحديث : " لا تُقصَر الصّلاةُ في أَقلَّ من أَربَعَةِ بُرُدٍ " وهي ستَّةَ عَشرَ فَرسَخاً . وفي كُتب الفقه : السَّفَرُ الّذِي يجوز فيه القَصْرُ أَربعةُ بُرُدٍ ، وهي ثمانيةٌ وأَربعون مِيلاً بالأَميال الهاشميّة الّتي في طَرِيق مَكّةَ . أَو ما بَيْنَ المَنزْلَينِ . والبَريدُ : الفُرَانِقُ ، بِضمّ الفاءِ ، سُمِّيَ به لأَنّه يُنْذِر قُدّامَ الأَسَدِ ، قيل : هو ابنُ آوَى ، وقيل غير ذلك ، وسيأْتي . والبَريد الرُّسُلُ على دَوَابِّ البَرِيدَ والجمْعُ بُرُدٌ . قال الزّمخشريّ في الفائق : البريد كلمة فارسيّة يراد بها في الأَصل البَغْل ( 2 ) ، وأَصلهَا برده دم ( 3 ) أَي محذوف الذَّنَب ، لأَنّ بِغالَ البَريدِ كانت محذوفةَ الأَذنابِ ، كالعَلاَمَة لها ، فأْعْرِبت وخُفِّفت ، ثمّ سُمِّيَ الرَّسولُ الّذي يَركَبه بَريداً ، والمسافةُ الّتي بين السِّكَّتَين بَريداً . والسِّكّة : مَوضعٌ كان يَسكُنُه الفُيُوجُ المُرَتَّبون من بَيتٍ أَو قبَّة أَو رِباطٍ ، وكان يُرَتّب في كلّ سِكّةٍ بِغالٌ ، وبُعْدُ ما بين السِّكّتينِ فَرسخَانِ أَو أَربَعَةٌ . انتهى . ونقله ابن منظور وابن كمال باشا في رسالة المعرّب ، وقَالَ : وبهذا التّفصيلِ تَبَيَّنَ ما في كلام الجوهَريّ وصاحب القَامُوس من الخَلَل ، فتَاَمَّلْ . وسِكَّةُ البَرِيد : مَحَلَّةٌ بخُوَارَزْمَ . وقال الذّهَبيّ : بجُرْجَان ، منها أَبو إِسحاقَ إِبراهِيمُ بنُ محمّد بن إِبراهِيمَ ، حدَّثَ عن الفَضْل بن محمَّد البَيهقيّ وجماعة . قال الحافظ ابن حَجر وأَبو إِسحاق : هكذا ضَبطَه الأَمِيرُ بالتّحتانيّة والزّاي ، مات سنة 333 ، ومَنصورُ بن محمّدٍ الكاتبُ أَبو القاسم ، البَرِيديَّانِ ، حدث عن عبد اللّه ابن الحسن بن الضَّرَّاب ، وعنه السِّلَفيّ . وَبَرَدَه وأَبْرَدَه : أَرسَلَه بَرِيداً ، وزاد في الأَساس : مُستعْجلاً ( 4 ) . وفي الحديث أَنه صلّى اللّه عليه وسلّم قال " إِذا أَبردْتُم إِليَّ بَرِيداً فاجْعَلُوه حَسَنَ الوَجْهِ حَسَنَ الاسمِ " . وقولهم : هُمَا في بُرْدَةٍ أَخْمَاسٍ ، فسَّره ابنُ الأَعرابيّ فقال : أَي يَفْعلانِ فِعْلاً واحِداً فيشَتبهانِ كأَنَّهما في بُرْدَةٍ . وبَرَدَى ، بثلاث فَتحاتٍ كجَمَزَي وبَشَكَى . قال جرير : لا وِرَدْ للقَوْمِ إِن لم يَعْرِفوا بَرَدَى * إِذَا تَجَوَّبَ عن أَعْنَاقِهَا السَّدَفُ نَهْرُ دِمَشْقَ الأَعظمُ ، قال نِفْطَوَيْه ، هو بَرَدَى مُمالٌ ، يكتب باليَاءِ مَخْرَجُه من قَرْيَةٍ يقال قَنْوَا ، من كُورَة الزَّبْدَانيّ ، بفتح فسكون ( 5 ) على خَمْسَة فَراسِخَ من دمَشقَ مّما يِلي بَعْلبَكّ ، يَظهر الماءُ من عْيونٍ هناك ثمّ يَصُبُّ إِلى قَرْيَةٍ على فَرْسخَينِ من دِمَشْقَ ، وتَنضمّ إِليه أَعينٌ ( 6 ) أُخرَى ، ثم يَخرُج الجميعُ إِلى قرية تعرف بجمرَايا ( 7 ) فَيَفْتَرق حينئذٍ فيصير أَكثره في بَرَدَى ، ويَحْمِلُ الباقيَ نَهرُ يزيدَ وهو نهرٌ حفَرَهَ يَزيدُ بن معاوية في لِحْف بعضِ جبَل قاسيُون ، فإِذا صارَ ماءُ بَرَدَى إِلى قريةٍ يقال لها دُمَّر ( 8 ) افترقَ على ثلاثة أَقسام ، لبَردَى منه نَحو النِّصف ، ويفترق الباقي نهرَيْن ، يقال لأَحدهما ثَوْراً في شماليّ بَرَدَى وللآخرِ بانَاس في قِبْليِّه ، وتمرّ ( 9 ) هذه الأَنهارُ الثّلاثُ بالبوادي ، ثم بالغُوطَة ، حتّى يَمرّ بَرَدَى بمدِينَة دمشقَ في ظاهرِها فيشقّ ما بينها وبين العُقَيْبَةِ حتى يَصُبَ في بُحَيْرَة المَرْج في شرقيّ دِمَشْق ، وإِليه تنصب فضَلاتُ أَنهُرِهَا . ويُساوقه من الجهة الشمالية نهر ثَوْرَا ، وفي شماليّ ثَوْرا [ نَهْر ] يزيد ، إِلى أَن يَنفَصل عن دَمشق وبَساتِينِها ، ومهما فَضَلَ من ذلك كلِّه
--> ( 1 ) بهامش المطبوعة المصرية : " قوله نزيل الخ كذا في نسخة وفي أخرى وهو الراوي عن محمد بن طرخان الآتي ذكره قربيا " . ( 2 ) عن النهاية نقلا عن الزمخشري . وبالأصل : البرد . . ( 3 ) في الأصل والنهاية واللسان : " بريده دم " وما أثبت عن الفائق 1 / 75 . ( 4 ) عبارة الأساس : وأبردت إليه بريدا ، وهو الرسول المستعجل . ( 5 ) كذا بالأصل ، وفي القاموس ومعجم البلدان : بفتح الباء ضبط قلم . ( 6 ) معجم البلدان : عين أخرى . ( 7 ) عن معجم البلدان ، وبالأصل " بحمزايا " . ( 8 ) عن معجم البلدان وبالأصل " مرا " . ( 9 ) معجم البلدان : وتمزج هذه الأنهر الثلاثة بالوادي .