مرتضى الزبيدي
193
تاج العروس
السَّحابَ . وقد يجوز أَن يكون على لَقِحَتْ فَهي لاقحٌ ، فإِذا لَقِحَت فزَكَت أَلْقحَت السّحَابَ ، فيكون هذا مما اكتُفِيَ فيه بالسَّبَب عن المُسبَّب ، قاله ابن سيده . وقال الأَزهريّ : قرأَها حمزةُ " لواقحَ " ( 1 ) فهو بيِّن ، ولكن يقال إِنّما الرِّيحُ مُلقِحَة تُلقِح الشّجرَ فكيفَ قيل لوَاقح ؟ ففي ذلك معْنيانِ : أَحدهما أَنْ تجعل الرِّيح هي التي تَلْقَحُ بمرورِهَا على التُّراب والماءِ ، فيكون فيها اللِّقَاح ، فيقال : رِيحٌ لاقحٌ ، كما يقال : ناقةٌ لاقِحٌ ، ويَشهد على لك أَنّه وَصَفَ رِيحَ العذابِ بالعَقِيم ، فجعلها عَقيماً إِذْ لم تُلقِح . والوجهُ الآخر : وَصْفُها باللَّقْح وإِن كانت تُلْقِح ، كما قيل لَيْلٌ نائم ، والنّومُ فيه ، وسرٌّ كاتمٌ ، وكما قيل المَبروزُ والمَختوم ، فجعله مَبروزاً ولم يقل مُبرَزا فجاز مفعول لمُفْعَل كما جاز فاعلٌ لمُفعِل ( 2 ) . وقال أَبو الهيثم : ريحٌ لاقحٌ ، أَي ذات لِقاحٍ ، كما يقال دِرْهم وازِنٌ ، أَي ذو وَزْن ، ورجل رامِحٌ وسائفٌ ونابِلٌ ، ولا يقال رَمَحَ ولا سَافَ ولا نَبَل ، يراد ذو سيفٍ وذو نَبْل وذو رُمْح . قال الأَزهريّ : ومعنى قوله [ تعالى ] " وأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَوَاقِحَ " ، أَي حَواملَ ، جعل الريح لاقحاً لأنها تحمل الماء والسحاب وتقلبه وتصرفه ثم تستدره فالرياح لواقح أي حوامل على هذا المعَنى . ومنه قول أَبي وَجْزَةَ : حتّى سَلَكْنَ الشَّوَى مِنهنَّ في مَسَك * من نَسْلِ جَوَّابةِ الآفاقِ مِهْدَاجِ سَلَكْن يعنى الأُتن ، أَدخلْن شَوَاهنّ ، أَي قوائمهنّ في مَسَك ، أَي فيما ( 3 ) صارَ كالمَسَك لأَيديهما . ثم جعل ذلك الماءَ من نَسْل رِيحٍ تَجُوب البلادَ . فجعَلَ الماءَ للرِّيح كالوَلد ، لأَنّها حمَلَتْه . ومّما يحِّقق ذلك قولُه تعالى : " وهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرْاً بينَ يَدَيْ رَحْمتهِ حَتّى إِذَا أَقلَّتْ سَحاباً ثِقَالاً " ( 4 ) أَي حَمَلت . فعلَى هذا المعنَى لا يحتاج إِلى أَن يكون لاقحٌ بمعنى ذي لَقْح ، ولكنّها تَحمل السّحابَ في الماءِ . قال الجوهريّ ريَاحٌ لَواقحُ ولا يُقَال مَلاقحُ ، وهو من النوادر ، وقد قيل : الأَصْل فيه مُلقِحَة ، ولكنها لا تُلقِح إِلاّ وهي في نفْسها لاقحٌ ، كأَنَّ الرِّياح لَقِحَتْ بخَير ، فإِذا أَنشأَت السّحابَ وفيها خَيرٌ وصلَ ذلك إِليه . قال ابن سيده : ورِيحٌ لاقِحٌ ، على النّسب ، تَلقَح الشّجَرُ عنها ، كما قالوا في ضدّه : عَقيمٌ . وحَرْبٌ لاقِحٌ على المَثَل ( 5 ) بالأُنثَى الحامل . وقال الأَعشي . إِذا شَمَّرَت بالنَاسِ شَهْبَاءُ لاقِحٌ * عوَانٌ شد يدٌ هَمْزُهَا وأَظلَّت يقال هَمَزَتْه بنابٍ ، أَي عَضَّتْه . ومن المجاز : يقال للنخَلةِ : الواحدة : لَقِحَت ، بالتخفيف . واستَلْقَحَتِ النّخْلَةُ أَي آنَ لها أَنْ تُلْقَحَ . وفي الأَساس : ومن المجاز رَجلٌ مُلقَّح كمُعظَّم ، أَي مُجَّرب منقَّع مُهذَّب ( 6 ) . وشَقِيحٌ لَقِيحٌ ، إِتباعٌ ، وقد تقدّم . * ومما يستدرك عليه : نِعْمَ المِنْحةُ اللِّقْحَةُ ، وهي النّاقة القَريبةُ العهْدِ بالنّتاج . واللَّقَح : إِنبات الأَرَضين المجدِبة قال يصف سحاباً : لَقِحَ العجَافُ له لِسَابعِ سَبْعَةِ * فشَرِ بْنَ بعْدَ تَحَلُّؤٍ فَرَوِينا يقولُ : قَبِلَت الأَرَضونَ ماءَ السحابِ كما تَقبَلُ الناقةُ ماءَ الفَحْل ، وهو مَجاز . وأَسَرّت الناقَةُ لَقَحاً وَلَقَاحاً ، وأَخْفَتْ لَقَحاً ولَقَاحاً . قال غَيلانُ : أَسَرَّت لَقَاحاً بعدَ ما كانَ رَاضَها * فِرَاسٌ وفيها عِزّةٌ ومَيَاسِرُ أَسرَّتْ أَي كتَمَتْ ولم تُبشِّر به ، وذلك أَنَّ النَّاقَة إِذا لَقِحَتْ شالَتْ بذَنَبها وزَمَّت بأَنْفِهَا واستكبَرَت ، فبَانَ لَقَحُهَا ،
--> ( 1 ) كذا وثمة نقص في عبارة اللسان عن الأزهري ، وعبارة التهذيب : قرأها حمزة " وأرسلنا الريح لواقح " ، لان الريح في معنى جمع ، قال : ومن قرأ الرياح لواقح فهو بين . ( 2 ) كذا بالأصل واللسان " دار المعارف " وفي التهذيب : كما جاز فاعل لمفعول إذ لم يزد البناء على الفعل ، كما قيل ماء دافق . ( 3 ) في التهذيب واللسان : في ماء . ( 4 ) سورة الأعراف الآية 57 . ( 5 ) بهامش القاموس : " قوله على مثل ، قال المحشي : الظاهر أن المراد بالمثل التشبيه ، أي تمثيل الحرب بالأنثى الحامل التي لا يدري ما تلد ، وهذا في كلامهم كثيراه " . ( 6 ) عبارة الأساس : وفلان ملقح منقح : مجرب مهذب .