مرتضى الزبيدي

334

تاج العروس

أَلاَ تَرَاهم جَمعوهَا على حَوائِجَ ، فأَثبَت صِحَّةَ حَوَائج ، وأَنها من كلامِ العَربِ وأَن حَاجَةً مَحْذُوفَةٌ من حائجةٍ ، وإن كان لمْ يُنْطَق بها عِنْدَهم ، قال : وكذلك ذَكَرَها عُثْمَانُ بنُ جِنّى في كتابه اللّمع ، وحكى المُهَلَّبِيّ عن ابن دُرَيْد أَنه قال : حاجَةٌ وحائِجةٌ ، وكذلك حكى عن أَبي عَمْرِو بنِ العَلاءِ أَنه يُقَال : في نَفْسِي حَاجةٌ ، وحائِجةٌ وحَوْجَاءُ ، والجمع حَاجَاتٌ وحَوَائِجُ وحَاجٌ وحِوَجٌ ، وذَكَر ابنُ السّكّيت في كتابِه الأَلفاظ : باب الحَوائِج ، يقال في جمعِ حَاجَةٍ حَاجَات وحاجٌ وحِوَجٌ وحَوَائِجُ ( 1 ) . وذهب قومٌ مِن أَهلِ اللُّغَةِ إِلى أَن حَوائجَ يَجوزُ أَن يكونَ جَمْعَ حَوْجاءَ وقِيَاسُهَا حَوَاج مثلُ صَحارٍ ثم قُدِّمت الياءُ على الجيمِ فصارَ حَوائِجَ ، والمَقْلُوبُ في كلامِ العَرَبِ كثيرٌ والعربُ تقول : بُدَاءَاتُ حَوَائجِكَ ، في كَثِيرٍ مِن كلامِهم ، وكثيراً ما يقول ابنُ السِّكّيت : إِنهم كانوا يَقْضُون حَوائِجَهم في البَسَاتِينِ والرَّاحَاتِ ، وإِنما غَلَّطَ الأَصمعيَّ في هذه اللَّفْظَةِ كما حُكِىَ عنه ، حتّى جَعَلَهَا مُوَلَّدَة ، كَوْنُها خَارِجَةً عن القياسِ ، لأَنَّ ما كان عَلَى مِثْلِ الحَاجَةِ مِثْل غَارَةٍ وحَارَةٍ ، لا يُجمْعَ على غَوَائِرَ وحَوَائِرَ ، فقطع بِذلك على أَنّهَا مُوَلَّدةٌ غيرُ فَصِيحَة ، على أَنه قد حَكَى الرَّقَاشِيُّ والسَّجِسْتَانيُّ ، عن عبد الرَّحمن عن الأَصمعيّ أَنه رَجَعَ عن هذا القَوْل وإِنما هو شَىءٌ كانَ عَرَضَ له من غير بَحْثٍ ولا نَظَرٍ ، قال : وهذا الأَشْبهُ بهِ ، لأَن مِثلَه لا يَجْهَلُ ذلك إِذْ كَانَ مَوْجُوداً في كلامِ النبيّ ، صلَّى الله عليه وسلّم ، وكلامِ العربِ الفُصْحَاءِ ، وكأَنّ الحَرِيرىّ لم يَمُرَّ به إِلاَّ القَولُ الأَوّلُ عن الأَصمعيّ دونَ الثاني ، واللهُ أَعلم . انتهى من لسان العرب ، وقد أَخذَه شيخُنَا بعينه في الشرح . " والحَاجُ : شَوْكٌ " ، أَورَدَهُ الجَوْهرىّ هنا ، وتَبعه المصنّف ، وأَورده ابنُ منظورٍ وغيرُه في ح ي ج ، كما سيأْتي بيانُه هناك . " وحَوَّجَ به عن الطَّرِيق تَحْوِيجاً : عَوَّجَ " ، كأَنّ الحاءَ لُغَةٌ في العين . ويقال " ما فِي صَدْرِى حَوْجَاءُ ولا لوْجاءُ " و " لا مِرْيَةٌ ولا شَكٌّ " ( 2 ) ، بمعنىً واحِدٍ ، عن ثعلب ، ويقال : ليس في أَمْرِك حُوَيْجَاءُ ولا لُوَيْجَاءُ ولا رُوَيْغَة . وعن اللِّحْيانيّ : " مالِي فيه حَوْجَاءُ ولا لَوْجَاءُ ولا حُوَيْجَاءُ ولا لُوَيْجَاءُ ، أَي حاجَةٌ " وما بَقِىَ في صدرِه حَوْجَاءُ ولا لَوْجَاءُ إِلاَّ قَضَاهَا ، قال قَيْسُ بن رِفَاعَةَ : مَنْ كَانَ فِي نَفْسِهِ حَوْجَاءُ يَطْلُبُها * عِنْدِي فإِني لَهُ رَهْنٌ بِإِصْحارِ ويقال : " كَلَّمْتُه ( 3 ) فمَا رَدَّ " عَلَىَّ " حَوْجَاءَ ولا لَوْجَاءَ ، أَي " مارَدَّ عَلَىَّ " كَلِمةً قَبِيحةً ولا حَسَنَةً " ، وهذا كقولهم : فما رَدَّ علَىَّ سَوْدَاءَ ولا بَيْضَاءَ . ويقال : " خُذْ حُوَيْجَاءَ من الأَرْضِ ، أَي طَرِيقاً مُخَالِفاً مُلْتَوِياً " . " وحَوَّجْتُ لَهُ " تَحوِيحاً " : تَرَكْتُ طَرِيقي فِي هَواهُ " . " واحْتَاجَ إِليه : " افْتَقَرَ ، و " : انْعَاجَ " " وذُو الحَاجَتَيْنِ " لَقَبُ " مُحَمَّد بن إِبراهِيَمِ بنِ مُنْقِذٍ " ، وهو " أَوَّلُ مَنْ بَايَعَ " أَبا العَبَّاسِ عبدَ الله العَبّاسيَّ " السَّفَّاحَ " ، وهو أَوَّلُ العَبَّاسِيَّينَ . * ومما يستدرك عليه : حاجَةٌ حائِجَةٌ ، على المُبَالغةِ ، وقالوا : حَاجَةٌ حَوْجَاءُ . والمُحْوِجُ : المُعْدِمُ ، من قَوْمٍ مَحَاوِيجَ . قال ابنُ سِيدَه : وعندي أَن مَحَاوِيجَ إِنما هو جمعُ مِحْوَاجٍ إِن كان قِيلَ ، وإِلاّ فلا وَجْهَ للواو . وأَحْوَجَه إِلى غيره . وأَحْوَجَ - أَيضاً - : احتاجَ . وفي الحديث " قال له رجلٌ : يا رَسُولَ اللهِ ، ما تَرَكْتُ مِن حاجَةٍ ولا دَاجَةٍ إِلاّ أَتَيْتُ " أَي ما تَرَكْتُ شيئاً من المعاصي ودَعتْنِي إِليه نَفْسي إِلاّ وقد رَكِبْتُه . ودَاجَةٌ إِتباعٌ لحاجَة ، والأَلفُ فيها مُنْقَلِبَةٌ عن الواو .

--> ( 1 ) بهامش المطبوعة المصرية : " قوله وذهب قوم الخ سقط قبل هذه من عبارة اللسان جملة ونصها : وقال سيبويه في كتابه فيما جاء فيه تفعل واستفعل بمعنى : يقال تنجز فلان حوائجه واستنجز حوائجه " . ( 2 ) في القاموس : " ولا لو جاء : لا مرية ولا شك " وما أثبت وافق في ضبط ما ورد في الصحاح واللسان باعتباره معطوفا . ( 3 ) التهذيب : " كلمت فلانا " وهو قول ابن السكيت كما في الصحاح .