مرتضى الزبيدي
22
تاج العروس
وبيتُ الرجل : دارُه . وبَيْته : قَصْرُه ، وشَرفُه . ونقل السُّهَيْلِيُّ في الرَّوْضِ مثلَ ذلك عن الخَطّابِيِّ ، وصَحَّحه ؛ قال : ولكن لِذكْرِ البَيْتِ هاهُنا ، بهذا اللَّفْظ - ولم يقل : بقَصْر - معنىً لائق بصُورَة الحالِ ، وذلك أَنّهَا كانت رَبَّةَ بيتِ إِسلام ، لم يكن على الأَرْض بيتُ إِسلامٍ إِلاّ بَيْتَهَا حين آمَنَت . وأَيضاً ، فإنّها أَوّلُ من بَنَى بَيتاً في الإِسلام ، بتزويجها رسولَ الله ، صلَّى الله عليه وسلم ، ورغبتِهَا فيه ، وجزاءُ الفعلِ يُذْكَرُ بلفظ الفعل ، وإِن كان أَشرفَ منه . ومن هذا الباب " مَنْ بَنَى للهِ مسجداً ، بَنَى اللهُ له مٍثلَه في الجَنَّة " ثُمَّ لم يُرِدْ مِثْلَه في كونه مَسجداً ، ولا في صفتِه ، ولكن قابلَ البُنْيَانَ بالبُنْيَانِ ، أَي : كما بَنَى ، بُنِيَ له ، فوقَعَتِ المُماثَلَةُ لا في ذات المَبْنِيّ . وإِذا ثَبَتَ هذا ، فمن ها هنا اقتضت الفصاحةُ أَن يُعَبَّر لها عَمّا بُشِّرَتْ به بلفْظ البَيْت ، وإنْ كان فيه مالاَ عَيْنٌ رأَتْه ، ولا أُذُنٌ سَمِعَتْه ، ولا خَطَرَ على قَلبِ بَشَرٍ . انتهى بتصرُّفٍ يسير ، وهو كلام حَسنٌ ، راجِعْه في الرَّوْض . وفي الصّحاح : البيتُ أَيضاً : عِيَالُ الرَّجلِ ؛ قال الرّاجز : مالِي إِذا أَنْزِعُهَا صَأَيْتُ * أَكِبَرٌ قد غالَنِي أَم بَيْتُ ( 1 ) وهو مجاز . وبَيتُ الرَّجُل : امْرَأَتُهُ ، ويُكْنَى عن المرأَة بالبَيْت . وقال ابنُ الأَعْرَابيّ : العربُ تَكْنِي عن المرأَة بالبَيْت ، قاله الأَصمعيُّ ، وأَنشدَ : أَكِبَرٌ غَيَّرَنِي أَمْ بَيْتُ ؟ سَمَّى اللهُ تعالَى الكَعْبَة البَيْتَ الحَرَام ، شرَّفها الله تعالى . قال ابْنُ سِيدُه : وبيتُ الله تعالى : الكَعْبَةُ . قال الفارسيُّ : وذلك كما قيل للخليفة : عبدُ الله ، وللجَنَّة : ( 2 ) دارُ السَّلام . قُلْت : فإِذا هو عَلَمٌ بالغَلَبَة على الكَعْبَة ، فيكون مَجازاً ، كالَّذِي يأْتي بعدَه ، هو قوله : البَيْتُ : القَبْرُ ، أي : على التَّشْبِيهِ ، قاله ابْنُ دُريْدٍ ، وأَنشد لِلَبِيدٍ : وصاحِبِ مَلحُوبٍ فُجٍعْنَا بِيَوِمِهِ * وعندَ الرِّدَاعِ بَيْتُ آخَرَ كَوْثَرٍ ( 3 ) وفي حديثِ أَبي ذَرٍّ : " كيف تَصْنعُ إِذا ماتَ النّاسُ ، حتَّى يكونَ البَيْتُ بالوَصِيف ؟ " قال ابْنُ الأَثير : أَراد بالبيت هُنَا القبرَ . والوَصِيفُ : الغُلامُ . أَراد [ أَنّ ] ( 4 ) مواضِعَ القبور تَضيقُ فيبْتاعون كُلَّ قَبرٍ بوَصِيف . وفي الأَساس : من المجاز قولُهم : تُزُوِّجَتْ فلانةُ على بَيْتٍ : أي على فَرْشٍ يَكْفِي البَيتَ . وفي حديث عائشة ، رضي الله عنها " تَزَوَّجَنِي رسولُ الله ، صَلَّى الله عليه وسلم ، على بَيْتٍ قِيمتهُ خمسون دِرهماً " أي : على مَتَاع بَيتٍ ، فحُذِفَ المضَاف ، وأُقيِمَ ( 5 ) المضَافُ إِليه مُقامَه . ومن المجَاز : البَيْت بَيْتَ الشّاعِرِ ، سُمِّيَ بَيْتاً ، لأَنَّهُ كلامٌ جُمِع منظوماً ، فصار كبَيتٍ جُمِعَ من شُقَقٍ [ وكفاء ] ( 6 ) ورِوَاقٍ وعُمُدٍ . وقولُ الشّاعر : وَبَيْتٍ على ظَهْرِ المَطِي بَنَيْتهُ * بأَسْمَرَ مَشْقوقٍ الخَياشِيمِ يَرْعُفُ قال : يَعْني بَيتَ شِعْر كتَبَه بالقَلَم . كذا في التَّهْذيب ( 7 ) . وفي اللسَان : والبَيْت من الشَّعْر ، مُشتقٌّ من بَيتِ الخِبَاءِ ، وهو يَقَعُ على الصَّغِير والكبير ، كالرجزِ والطَّويل ، وذلك لأَنّه يضمُّ الكلامَ ، كما يَضمُّ البَيتُ أَهلَه ، ولذلك سَمَّوْا مُقَطَّعاتِه أَسباباً وأَوتاداً ، على التَّشبيه لها بأَسباب البيوت وأَوتادها ، والجمعُ أَبياتٌ . وحكى سيبويهِ في جمعه : بُيُوتٌ ، وهكذا قاله ابنُ جِنّي . قال أَبو الحسن : وإِذا كان البَيتُ من الشِّعْر مُشَبَّهاً بالبَيت من الخِبَاءِ وسائر البِناءِ ، لم يَمْتَنِعْ أَن يُكسَّر على ما كُسِّر عليه . والبَيُّوتُ ، كَخَرُّوبٍ : المَاءَ الباردُ يُقال : ماءٌ بَيُّوتٌ : باتَ فَبَرَد ، قال غَسَّانُ السَّلِيطِيُّ :
--> ( 1 ) في الصحاح واللسان : أكبر غيرني . ( 2 ) عن اللسان ، وفي الأصل " الجنة " . ( 3 ) صاحب ملحوب هو عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب ، مات بملحوب ، وعند الرداع مات فيه شريح بن الأحوص بن جعفر بن كلاب اه . من ياقوت . ( 4 ) زيادة عن النهاية . ( 5 ) زيادة عن التهذيب . ( 7 ) كذا في اللسان عن التهذيب ، ولم يرد في التهذيب هذا القول ولا الشاهد . . .