مرتضى الزبيدي

271

تاج العروس

لجوهَر الهَواءِ لأسبابٍ سَماويَّة أَو أَرضيَّة ، كالماءِ الآسن والجِيَفِ الكثيرة ، كما في الملاحم ، ونقل شيخُنا عن الحكيم داؤود الأَنطاكي رحمه الله تعالى أَنَّ الوَبَاءَ حقيقة تَغَيُّر الهواءِ بالعَوارِضِ ( 1 ) العُلْوِية ، كاجتماع كواكبَ ذاتِ أَشِعَّة ( 2 ) والسُّفْلِيَّة كالملاحم وانفتاحِ القُبور وصُعود الأَبخِرة الفاسدة ، وأَسبابُه مع ما ذُكر تَغَيُّرُ فصول الزمانِ والعناصرِ وانقلاب الكائنات ، وذكروا له علاماتٍ ، منها الحُمَّى والجُدَرِيّ والنَّزَلات والحِكَّة والأَورام وغيرُ ذلك ، ثمَّ قال : وعبارة النُّزهة تقتضي أنَّ الطَّاعون نوعٌ من أَنواع الوَبَاءِ وفَرْدٌ من أَفراده ، وعليه الأَطباءُ ، والذي عليه المُحَقِّقون من الفقهاء والمُحَدِّثين أَنَّهما مُتبايِنانِ ، فالوَبَاءُ : وَخَمٌ يُغَيِّرُ الهواءَ فتكثُر بسببه الأَمراضُ في الناسِ ، والطَّاعونُ هو الضَّرْبُ الذي يُصيب الإنْسَ من الجِنِّ ، وأَيَّدوه بما في الحديث أَنَّه وَخْزُ أَعدائكم من الجِنّ أَو كلُّ مَرَضٍ عامٍّ ، حكاه القزَّاز في جامعه ، وفي الحديث " إنَّ هذا الوَبَأَ ( 3 ) رِجْزٌ " ج أَي المقصور المهموز أَو بَاءٌ كسببٍ وأَسباب ويُمَدُّ مع الهمز وحينئذ ج أَوْبِيَةٌ ( 4 ) كهواءٍ وأَهْوِيَة ، ونقل شيخنا عن بعضهم أنَّ المقصور بلا همزٍ يُجمع على أَوْبِيَة ، والمهموز على أَوْباءٍ ، قال : هذه التفرقةُ غيرُ مسموعةٍ سماعاً ولا جاريةٌ على القياس . قلت : هو كما قال . وفي شرح المُوَطَّإِ : الوَبَاءُ ، بالمدِّ : سُرعَةُ الموتِ وكثرته في الناس . وقد وبِئَتِ الأَرضُ كفَرِحَ تِيبَأُ بالكسر ، وتَيْبَأُ بالفتح وتَوْبَأُ بالواو وَبَأً محرَّكةً ، ووَبُؤُ ككَرُمَ وَبَاءً ووَبَاءةً ( 5 ) بالمدّ فيهما وأَباءً وأَباءةً ، على البدَل ، ووُبِئَ بالمبني للمفعول كعُنِيَ وَبْأً على فَعْلٍ وأَوْبَأَتْ ، وسياقه هذا لا يخلو من قلقٍ مَا ، فإنَّ الذي في لسان العرب وغيرِه من كتب اللغة أنَّ وَبِئَت الأَرضُ كفرِح تَوْبَأُ ، بالواو على الأَصل ، وَبَأً محرَّكة ، ووَبُؤَتْ ككَرُم وَبَاءً ووَبَاءةً بالمد فيهما ، وأَباءً وأَباءةً ( 6 ) ، على البدل والمدِّ فيهما ، وأَوْبَأَتْ إيباءً ووُبِئَتْ كعُنِي تِيبَأُ ، أَي بقلب الواو ياءً ، فلزم كسر علامة المُضارعة لمناسبة الياءِ ، وباءً بالمدّ . ونقل شيخنا عن أبي زيدٍ في كتاب الهمز له : وَبِئَت بالكسر في الماضي مع الهمز لغةُ القُشَيْرِيِّين ، قال : وفي المستقبل تِيبَأُ ، بكسر التاءِ مع الهمز أيضاً ، وحكى صاحب الموعب وصاحب الجامع : وَبِيَتْ ، بالكسر بغير همز تَبْيَا وتَوْبَا ، بفتح التاءِ فيهما وبالواو من غير همزٍ . انتهى . وهي أَي الأَرض وَبِئَةٌ على فَعِلَة ووَبيئَة على فَعيلة ومَوْبوءةٌ ذكره ابن منظور ، ومُوبِئَةٌ كمُحْسِنة أَي كثيرته أَي الوَبَاءِ ، والاسمُ منه البِئَةُ كعِدَةٍ . واسْتَوْبَأْتُ الماءَ والبلَدَ وتَوَبَّأْتُه : استَوْخَمْتُه ، وهو ماءٌ وَبِيءٌ على فَعيلٍ ، وفي حديث عبد الرحمن بن عَوْفٍ " وإِنَّ جُرْعَةَ شَروبٍ أَنْفَعُ من عَذْبِ مُوبٍ " ، أَي مُورث للوَبَاءِ . قال ابنُ الأَثير : هكذا رُوِي بغير همزٍ ، وإنَّما ترك الهمز ليُوازَنَ به الحرفُ الذي قبلَه وهو الشَّرُوب ، وهذا مثلٌ ضربه لرجلينِ : أَحدهما أَرْفَعُ وأَضَرُّ ، والآخر أَدْوَنُ وأَنْفَعُ . وفي حديث عليٍّ " أَمَرَّ منها جانِبٌ فأَوْبَأَ " أَي صارَ وبيئاً . واسْتَوْبَأَها أَي اسْتَوْخَمَها ووجدَها وَبيئةً ( 7 ) . والباطِلُ وَبيءٌ لا تُحمد عاقِبتُه ، وعن ابنِ الأَعرابيّ : الوَبيءُ : العليلُ . ووَبَأَهُ يَوْبَؤُه . قال شيخنا : هذا مُخالفٌ للقياس ولقاعدةِ المُصنّف ، لأنَّ قاعدته تقتضي أن يكون مثل ضَرَبَ ، حيث أَتْبَع الماضِيَ بالآتي ، وليس ذلك بمرادِه هنا ولا صحيحٍ في نفس الأَمر ، والقياس يقتضي حذفَ الواو ، لأنَّه إنَّما فتح لمكان حَرْفِ الحَلْقِ ، فحَقُّه أن يكون كوَهَبَ ، وكلامُه يُنافي الأَمْرَيْنِ ، كما هو ظاهرٌ ، انتهى وقد سقط من بعض النسخ ذِكْرُ يَوْبَؤُه ، فعلى هذا لا إشكال . ووَبَأَهُ بمعنى المَتاعَ وعَبَأَهُ بمعنًى واحد ، وقد تقدَّم كوَبَّأَهُ مُضعَّفاً . ووَبَأَ إليه : أَشارَ كَأَوْبَأَ لغةٌ في وَمَأَ وأَوْمَأَ ، بالميم ، أَو الإيباءُ هو الإشارَةُ بالأَصابع من أمامِكَ ليُقْبِلَ ، والإيماءُ بالميم : هو الإشارة بالأَصابع من خَلْفِكَ ليَتَأَخَّرَ ، وهذا

--> ( 1 ) في النزهة المبهجة في تشحيذ الأذهان : 2 / 172 : بالطوارىء . ( 2 ) النزهة : ذوات الأشعة . ( 3 ) اللسان : الوباء . ( 4 ) اللسان : أوبئة . ( 5 ) في اللسان : وباء ووباءة ( بالكسر ) وفي هامشه أشار إلى ضبط المحكم بالكسر . ( 6 ) كله في اللسان بكسر أوله . ( 7 ) اللسان والصحاح : وبئة .