السيد علي الحسيني الميلاني

266

تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات

وعدم مطالبته - في تلك الحال - بحقه فيقول ( 1 ) : لا يعاب المرء بتأخير حقه ، إن ما يعاب من أخذ ما ليس له ، وكان له في نشر النصوص عليه طرق تجلّت الحكمة فيها بأجلى المظاهر . ألا تراه ما فعل يوم الرحبة إذ جمع الناس فيها أيام خلافته لذكرى يوم الغدير ، فقال لهم : أنشد اللّه كلّ امرئ مسلم سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يقول يوم غدير خم ما قال ، إلاّ قام فشهد بما سمع ، ولا يقم إلاّ من رآه ، فقام ثلاثون من الصحابة فيهم اثنا عشر بدرياً ، فشهدوا بما سمعوه من نص الغدير ( 2 ) . وهذا غاية ما يتسنى له في تلك الظروف الحرجة بسبب قتل عثمان ، وقيام الفتنة في البصرة والشام ، ولعمري إنه قصارى ما يتفق من الاحتجاج يومئذ مع الحكمة في تلك الأوقات ، ويا له مقاماً محموداً بعث نص الغدير من مرقده ، فأنعشه بعد أن كاد ، ومثل - لكلّ من كان في الرحبة من تلك الجماهير - موقف النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم يوم خم ، وقد أخذ بيد علي فأشرف به على مئة ألف أو يزيدون من أُمته ، فبلّغهم أنه وليّهم من بعده ، وبهذا كان نص الغدير من أظهر مصاديق السنن المتواترة ، فانظر إلى حكمة النبي إذ أشاد به على رؤوس تلك الأشهاد ، وانتبه إلى حكمة الوصي يوم الرحبة إذ ناشدهم بذلك النشاد ، فأثبت الحق بكلّ توئدة اقتضتها الحال ، وكلّ سكينة كان الإمام يؤثرها ، وهكذا كانت سيرته في بث العهد إليه ، ونشر النص عليه ، فإنه إنما كان ينبّه الغافلين بأساليب لا توجب ضجّة ولا تقتضي نفرة .

--> ( 1 ) هذه الكلمة من كلمة القصير الخارج في غرضه الشريف وهي في نهج البلاغة فراجع ما ذكره علامة المعتزلة في شرحها ص 390 ج 18 من شرح النهج . ( 2 ) كما ذكرناه في المراجعة 56 .