السيد علي الحسيني الميلاني

160

تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات

شرّها ، وخشيت الفتنة . . . الخطبة ( 1 ) وعمر يشهد بذلك على رؤوس الأشهاد ، في خطبة خطبها على المنبر النبوي يوم الجمعة في أواخر خلافته ، وقد طارت كلّ مطير ، وأخرجها البخاري في صحيحه ( 2 ) ، وإليك محلّ الشّاهد منها بعين لفظه ، قال : ثم إنه بلغني أن قائلاً ( 3 ) منكم يقول : واللّه لو مات عمر بايعت فلا ناً ، فلا يغترنّ امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمّت ، ألا وإنها قد كانت كذلك ، ولكنّ اللّه وقى شرّها ( إلى أن قال ) : من بايع رجلاً من غير مشورة فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا ( 4 ) ( قال ) : « وإنه قد كان من خبرنا حين توفّى اللّه

--> ( 1 ) أخرجها أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري ، في كتاب السقيفة ، ونقلها ابن أبي الحديد ص 50 ج 2 من شرح النهج . ( 2 ) راجع من الصحيح باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت - وهو في كتاب الحدود والمحاربين من أهل الكفر والردّة - تجد الخطبة مع مقدماتها ص 343 ج 4 . وأخرجها غير واحد من أصحاب السنن والأخبار ، كابن جرير الطبري في حوادث سنة 11 من تاريخه ، ونقلها ابن أبي الحديد ص 23 ج 2 من شرح النهج . ( 3 ) القائل هو الزبير ونصّ مقالته : واللّه لو مات عمر لبايعت علياً ، فإن بيعة أبي بكر إنما كانت فلتة وتمت ، فغضب عمر غضباً شديداً وخطب هذه الخطبة ، صرّح بهذا كثير من شراح البخاري ، فراجع تفسير هذا الحديث من شرح القسطلاني ص 19 ج 10 ، تجده ينقل ذلك عن البلا ذري في الأنساب مصرّحاً بصحة سنده على شرط الشيخين . ( 4 ) قال ابن الأثير في تفسير هذا الحديث من نهايته ( 3 : 356 ) ، تغرة ، مصدر غررته إذا ألقيته في الغرر ، وهي من التغرير كالتعلة من التعليل ، وفي الكلام مضاف محذوف تقديره خوف تغرة أن يقتلا أي خوف وقوعهما في القتل ، فحذف المضاف الذي هو الخوف وأقام المضاف إليه الذي هو تغرة مقامه ، وانتصب على أنه مفعول له ، ويجوز أن يكون قوله أن يقتلا بدلاً من تغرة ، ويكون المضاف محذوفاً كالأوّل ، ومن أضاف تغرّة إلى أن يقتلا فمعناه خوف في تغرّته قتلهما ( قال ) ومعنى الحديث : إن البيعة حقها أن تقع صادرة عن المشورة والاتفاق ، فإذا استبد رجلان دون الجماعة فبايع أحدهما الآخر ، فذلك تظاهر منهما بشق العصا وإطراح الجماعة ، فإن عقد لأحد بيعة فلا يكون المعقود له واحداً منهما وليكونا معزولين من الطائفة التي تتفق على تمييز الإمام منها ، لأنه إن عقد لواحد منهما وقد ارتكبا تلك الفعلة الشنيعة التي احفظت الجماعة من التهاون بهم والاستغناء عن رأيهم ، لم يؤمن أن يقتلا . انتهى . قلت : كان من مقتضيات العدل الذي وصف به عمر ، أن يحكم بهذا الحكم على نفسه وعلى صاحبه كما حكم به على الغير ، وكان قد سبق منه - قبل قيامه بهذه الخطبة - أن قال : إن بيعة أبي بكر فلتة وقى اللّه شرّها ، فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه ، واشتهرت هذه الكلمة عنه أي اشتهار ، ونقلها عنه حفظة الأخبار ، كالعلاّمة ابن أبي الحديد في ص 26 ج 2 من شرح النهج .