أحمد بن حجر الهيتمي المكي
36
الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة
شيء حفظوه من السنة فأخرج له المغيرة وابن مسلمة ما حفظاه فقضى به وطلبه انضمام آخر إلى المغيرة احتياط فقط إذ الرواية لا يشترط فيها تعدد وهذا يؤيد ما قدمناه عنه أنه كان إذا جاءه الخصم نظر في القرآن ثم فيما يحفظه من السنة يشاور فيه وهذا هو شأن المجتهدين على أنه غير بدع من المجتهد أن يبحث عن مدارك الأحكام وأخرج الدارقطني عن القاسم بن محمد أن جدتين أتتا أبا بكر تطلبان ميراثهما أم أم وأم أب فأعطى الميراث أم الأم فقال له عبد الرحمن بن سهل الأنصاري البدري أعطيت التي لو أنها ماتت لم يرثها فقسمه بينهما فتأمل رجوعه مع كماله إلى الحق لما رآه مع أصغر منه الشبهة الخامسة زعموا أن عمر ذمه والمذموم من مثل عمر لا يصلح للخلافة وجوابها أن هذا من كذبهم وافترائهم أيضا ولم يقع من عمر ذم له قط وإنما الواقع منه في حقه غاية الثناء عليه واعتقاد أنه أكمل الصحابة علما ورأيا وشجاعة كما يعلم مما قدمناه عنه في قصة المبايعة وغيرها على أن إمامة عمر إنما هي بعهد أبي بكر إليه فلو قدح فيه لكان قادحا في نفسه وإمامته وأما إنكاره على أبي بكر كونه لم يقتل خالد بن الوليد لقتله مالك بن نويرة وهو مسلم ولتزوجه امرأته من ليلته ودخل بها فلا يستلزم ذما له ولا إلحاق نقص به لأن ذلك إنما هو من إنكار بعض المجتهدين على بعض في الفروع الاجتهادية وهذا كان شأن السلف كانوا لا يرون فيه نقصا وإنما يرونه غاية الكمال على أن الحق عدم قتل خالد لأن مالكا ارتد ورد على قومه صدقاتهم لما بلغه وفاة رسول الله كما فعل أهل الردة وقد اعترف أخو مالك لعمر بذلك وتزوجه امرأته لعله لانقضاء عدتها بالوضع عقب موته أو يحتمل أنها كانت محبوسة عنده بعد انقضاء عدتها عن الأزواج على عادة الجاهلية وعلى كل حال فخالد أتقى لله من أن يظن به مثل هذه الرذالة التي لا تصدر من أدنى المؤمنين فكيف بسيف الله المسلول على أعدائه فالحق ما فعله أبو بكر لا ما اعترض به عليه عمر رضي الله تعالى عنهما ويؤيد ذلك أن عمر لما أفضت إليه الخلافة لم يتعرض لخالد ولم يعاتبه ولا تنقصه بكلمة في هذا الأمر قط فعلم أنه ظهر له حقية ما فعله أبو بكر فرجع عن اعتراضه وإلا لم يتركه عند استقلاله بالأمر لأنه كان أتقى لله من أن يداهن في دين الله أحدا الشبهة السادسة زعموا أن قول عمر إن بيعة أبي بكر كانت فلتة لكن وقى الله شرها فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه ( 1 ) قادح في حقيتها وجوابها أن هذه من غباوتهم وجهالتهم إذ لا دلالة في ذلك لما زعموه لأن معناه أن الإقدام على مثل ذلك من غير مشورة الغير وحصول الاتفاق منه مظنة الفتنة فلا يقدمن أحد على ذلك على أني أقدمت عليه فسلمت على خلاف العادة ببركة صحة النية وخوف الفتنة لو حصل توان في
--> ( 1 ) قال السعد : والجواب أن المعنى كانت فجأة وبغتة وقى الله شر الخلاف الذي كاد يظهر عندها . فمن عاد إلى مثل تلك المخالفة الموجبة لتبديد الكلمة فاقتلوه .