أحمد بن حجر الهيتمي المكي

32

الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة

خرج إليهم فاستسكت عمر عن قوله ما مر فأبى لما هو فيه من الدهش فتركه وتكلم فانحازوا إليه لعلمهم بعلو شأنه وتقدمه فخطبهم فقال أما بعد فمن كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت ثم قرأ وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم الآية رواه البخاري ( 1 ) وغيره فحينئذ صدقوا بوفاته وكرروا هذه الآية كأنهم لم يسمعوها قبل لعظيم ما استولى عليهم من الدهش ومن ثم كان أسد الصحابة رأيا وأكملهم عقلا فقد أخرج تمام وابن عساكر أتاني جبريل فقال إن الله يأمرك أن تستشير أبا بكر والطبراني وأبو نعيم وغيرهما أنه لما أراد أن يسرح معاذا إلى اليمن استشار ناسا من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير وأسيد بن حضير فتكلم القوم كل إنسان برأيه فقال ما ترى يا معاذ فقلت أرى ما قال أبو بكر فقال إن الله يكره أن يخطئ أبو بكر وأخرج الطبراني بسند رجاله ثقات إن الله يكره أن يخطأ أبو بكر فهذا دليل أي دليل على أنه أكملهم عقلا ورأيا وعلى أنه أعلمهم ولا مرية في ذلك فثبت بهذه الأدلة عظم شجاعته وثباته وكمال عقله ورأيه وعلمه ومن ثم قال العلماء إنه صحب النبي من حين أسلم إلى أن توفي لم يفارقه سفرا ولا حضرا إلا فيما أذن له في الخروج فيه من حج أو غزو وشهد معه المشاهد كلها وهاجر معه وترك عياله وأولاده رغبة في الله ورسوله وقام بنصرته في غير موضع وله الآثار الحميدة في المشاهد وثبت يوم أحد ويوم حنين وقد فر الناس فكيف مع ذلك كله ينسب إليه عدم شجاعة أو عدم ثبات في الأمر كلا بل له فيهما الغاية القصوى والآثار الحميدة التي لا تستقصى فرضي الله تعالى عنه وكرم الله وجهه الشبهة الثانية زعموا أيضا أنه لما ولاه قراءة براءة على الناس بمكة عزله وولى عليا فدل ذلك على عدم أهليته وجوابها بطلان ما زعموه هنا أيضا وإنما أتبعه عليا لقراءة براءة لأن عادة العرب في أخذ العهد ونبذه أن يتولاه الرجل أو أحد من بني عمه ولذلك لم يعزل أبا بكر عن إمرة الحج بل أبقاه أميرا وعليا مأمورا له فيما عدا القراءة على أن عليا لم ينفرد بالأذان بذلك ففي صحيح البخاري أن أبا هريرة قال بعثني أبو بكر في تلك الحجة في مؤذنين بعثهم يوم النحر يؤذنون بمنى أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان قال حميد بن عبد الرحمن ثم أردف رسول الله بن أبي طالب فأمره أن يؤذن ببراءة قال أبو هريرة فأذن معنا علي يوم النحر في أهل منى ببراءة أن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان فتأمله تجد عليا إنما أذن مع مؤذني أبي بكر ومما يصرح بما ذكرناه أن أبا بكر لما جاء علي لم يعزل مؤذنيه فعدم

--> ( 1 ) وقد تابع في خلافته الفتوح وطهر جزيرة العرب من الشرك وأجلا الروم عن الشام وأطرافها وطرد فارس عن حدود السواد وأطراف العراق مع قوتهم وشوكتهم ووفور أموالهم وانتظام أحوالهم .