أحمد بن حجر الهيتمي المكي
201
الصواعق المحرقة في الرد على أهل البدع والزندقة
ثم قال : من معشر حبهم دين وبغضهم * كفر وقربهم منجى ومعتصم لا يستطيع جواد بعد غايتهم * ولا يدانيهم قوم وإن كرموا فلما سمعها هشام غضب وحبس الفرزدق بعسفان بين مكة والمدينة وامر له زين العابدين باثني عشر ألف درهم وقال اعذر لو كان عندنا أكثر لوصلناك به فردها قال إنما امتدحه لله لا لعطاء فقال زين زين العابدين رضي الله عنه إنا أهل بيت إذا وهبنا شيئا لا نستعيده فقبلها الفرزدق ثم هجا هشاما في الحبس فبعث فأخرجه وكان زين العابدين عظيم التجاوز والعفو والصفح حتى إنه سبه رجل فتغافل عنه فقال له إياك أعني فقال وعنك أعرض أشار إلى آخر خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين الأعراف 199 وكان يقول ما يسرني بنصيبي من الذل حمر النعم توفي وعمره سبع وخمسون منها سنتان مع جده علي ثم عشر مع عمه الحسن ثم إحدى عشرة مع أبيه الحسين وقيل سمه الوليد بن عبد الملك ودفن بالبقيع عند عمه الحسن عن أحد عشر ذكرا وأربع إناث وارثه منهم عبادة وعلما وزهادة أبو جعفر محمد الباقر سمي بذلك من بقر الأرض أي شقها وأثار مخبئاتها ومكامنها فكذلك هو أظهر من مخبئات كنوز المعارف وحقائق الأحكام والحكم واللطائف ما لا يخفى إلا على منطمس البصيرة أو فاسد الطوية السريرة ومن ثم قيل فيه هو باقر العلم وجامعه وشاهر علمه وعمرت أوقاته بطاعة الله وله من الرسوخ في مقامات العارفين ما تكل عنه ألسنة الواصفين وله كلمات كثيرة في السلوك والمعارف لا تحتملها هذه العجالة وكفاه شرفا أن ابن المديني روى عن جابر أنه قال له وهو صغير رسول الله يسلم عليك فقيل له وكيف ذاك قال كنت جالسا عنده والحسين في حجره وهو يداعبه فقال يا جابر يولد له مولود اسمه علي إذا كان يوم القيامة نادى مناد ليقم سيد العابدين فيقوم ولده ثم يولد له ولد اسمه محمد فإن أدركته يا جابر فأقرئه مني السلام توفي سنة سبع عشرة ومئة عن ثمان وخمسين سنة مسموما كأبيه وهو علوي من جهة أبيه وأمه ودفن أيضا في قبة الحسن والعباس بالبقيع وخلف ستة أولاد أفضلهم وأكملهم جعفر الصادق ومن ثم كان خليفته ووصيه ونقل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان وانتشر صيته في جميع البلدان وروى عنه الأئمة الأكابر كيحيى بن سعيد وابن جريج والسفيانين وأبي حنيفة وشعبة وأيوب السختياني وأمه أم فروة بنت القاسم بن محمد بن أبي بكر كما مر وسعي به عند المنصور لما حج فلما حضر الساعي به يشهد قال له أتحلف قال نعم فحلف بالله العظيم إلى آخره فقال أحلفه يا أمير المؤمنين بما أراه فقال له حلفه