الشهيد الثاني

752

رسائل الشهيد الثاني ( ط . ج )

والدليل على ذلك أنّ العليم الحكيم خلق الإنسان في أحسن تقويم ، ورَكَّب فيه المدارك والمشاعر والقوى ، ونَوّر قلبه بالهدي ، وزَيّنه بالرأي الصائب والفكر الثاقب ، كما زَيّن السماء الدنيا بمصابيحَ وزينة الكواكب . « 1 » ولا شكّ أنّ كلّ مكلَّف عاقل فله قوّة فكرية يرتّب بها المعلوماتِ ، وينتقل منها « 2 » إلى المجهولات ، وإنْ لم يعلم كيفية الترتيب والانتقالات ، كما يشاهَد في بدء الحال من الأطفال . فكما أنّ صاحب الباصرة يدرك المحسوسات ، ولا يعلم كيفية الإحساس من أنّه هل هو بخروج الخطوط الشعاعية مثلاً ، أو بانطباع الصور في الجليدية « 3 » ، كذلك صاحب القوّة الفكرية يتفكَّر ويستدلّ وإنْ لم يعلم كيفية الفكر والاستدلال . وممّن نبّه عليه السيّد العارف رضيّ الدين عليّ بن طاوس قدّس سرّه ، فقال : ابنُ آدمَ إذا كان له من نحو سبع سنين وإلى قبل بلوغه إلى مقام التكليف لو كان جالساً مع جماعة ، فالتفت إلى ورائه فرأى طعاماً ، سبق إلى تصويره وإلهامه أنّ ذلك « 4 » ما حضر بذاته وإنّما أحضره غيره ، ويعلم ذلك على غاية عظيمة من التحقيق والكشف والضياء ، بحيث لو حلف له كلّ من حضر عنده أنّه حضر ذلك الطعام بذاته ، كذّب الحالف وردّ عليه دعواه .

--> « 1 » اقتباس من الآية 6 من الصافّات ( 36 ) ؛ والآية 12 من فصّلت ( 41 ) . « 2 » في بعض النسخ : « بها » . « 3 » الجليديّة ، هي جزء من أجزاء العين . وهي عند الشيخ الرئيس رطوبة تقع بين نوعين من الرطوبة : الزجاجيّة ، والبيضيّة . وهي تقابل العدسة في التشريح الجديد . للمزيد راجع « المباحث المشرقيّة » ج 2 ، ص 307 ، التعليقة 1 . « 4 » أي الطعام .