الشهيد الثاني
875
رسائل الشهيد الثاني ( ط . ج )
وبقيتُ بعد وصولي ثمانيةَ عشر يوماً لا أجتمع بأحد من الأعيان ، ثمّ اقتضى الحال أن كتبتُ في هذه الأيّام رسالة جيّدة تشتمل على عَشَرَةِ مباحثَ جليلة ، كلّ بحث في فنٍ من الفنون العقليّة والفقهيّة والتفسير وغيرها ، « 1 » وأوصلتُها إلى قاضي العسكر ، وهو محمّد بن قطب الدين بن محمّد بن محمَّد بن قاضي زاده الرومي ، وهو رجل فاضل أديب عاقل لبيب ، من أحسن الناس خُلُقاً وتهذيباً وأَدباً ، فوقعت منه موقعاً حسناً وحصل لي بسبب ذلك منه حظَّ عظيم ، وأَكْثَرَ من تعريفي والثناء عَلَيّ للأفاضل ، واتّفق في خلال المدّة بيني وبينه مباحثة في مسائل كثيرة من الحقائق . ففي اليوم الثاني عشر من اجتماعي به أرسل إليّ الدفترَ المشتمل على الوظائف والمدارس ، وبذل لي ما اختاره وأكَّدَ في كون ذلك في الشام أو حلب ، فاقتضى الحال أن اخترتُ منه المدرسة النورية ببعلبك ؛ لمصالحَ وجدتُها ، ولظهور أمر الله تعالى بها على الخصوص ، فأعرض لي بها إلى السلطان « 2 » سليمان ، وكتب لي بها براءة ، وجعل لي لكلّ شهر ما شرطه واقِفُها السلطان نور الدين الشهيد ، واتّفق من فضل الله سبحانه ومَنّه في مدّة إقامتي بالبلدة المذكورة من الألطاف الإلهيّة والأسرار الربانية والحِكَم الخفيّة ما يَقْصُرُ عنه البيانُ ، ويَعْجِزُ عن تحريره البَنانُ ، ويَكِلّ عن تقريره اللسانُ ، فللَّه الحمد والمِنّة والفضل والنعمة على هذا الشأن ، ونسأله أنْ يُتِمّ علينا منه الإحسانَ ؛ إنّه الكريم الوهّاب المنّان . ومن غريب ما اتفق لي من نعم الله تعالى وفضله وكرمه وجوده زمان
--> « 1 » هذه الرسالة فقدت ولم تصل إلينا . « 2 » أي كتب لي عرضاً ، وهو الطلب الذي يكتب إلى السلطان والأمير .