الشهيد الثاني
801
رسائل الشهيد الثاني ( ط . ج )
فقال : « أنْ لا يفقدك حيث أمرك ، ولا يراكَ حيث نهاك » « 1 » . فعليك يا أخي وفّقك الله تعالى بمراعاة هذه الوصيّة الجامعة والتحلَّي بحليتها ، واغتنام عمرك القصير الذي هو مَتجر الدار الآخرة ، وسبب السعادة الأبديّة ، والكرامة السرمديّة ، وما أعظَم هذا الربحَ ! وأقلّ رأسَ المال ! وأعظمَ الحسرةَ والندامة ! على تقدير التقصير في المعاملة والاكتساب في وقته إذا عاين المقصّرُ درجات السابقين ، ومنازل الواصلين ، وثمرة أعمال المجتهدين ، وقد فات الوقت ولم يمكن الاستدراك . واعلم أنّك إذا تأمّلتَ قدر السعادة المؤبّدة التي لا نهاية لها التي تحصل ثمرتُها من حين الشروع في تزكية النفس ، وتَخلُص من حين فراقها البدن في البرزخ إلى أبد الآبدين ، [ علمتَ ] « 2 » أنّ سبب حصولها وكسبها في هذا العمر الذي غاية الطمع في زيادته والتمنّي لطوله لا يبلغ مائة سنة ، لا يصفو منها للعمل وإن اجتهدتَ إلا قليل ؛ للاضطرار إلى صرف شطره في النوم والراحة ، وجانب كبير من الشطر الآخر في ضرورات البقاء الإنساني ، والفاضل من ذلك على تقدير ضبطه التامّ ، وسلامته عن الآفات ، وخلوصه عن شوائب النقص ومعارضة المعاصي هو ثمن هذه السعادة الأبديّة التي لا نهاية لها باتّفاق أهل الملل ، ومرجعها إلى بقاء بلا فناء ، ولذّة بلا عناء ، وسرور بلا كدر ، وغنى بلا فَقر ، وكمال بلا نقصان ، وعزّ بلا ذلّ . وبالجملة ، كلّ ما يُتصوّر أنْ يكون مطلوبَ طالب ، ومرغوبَ راغب على
--> « 1 » « عدّة الداعي » ص 284 285 . « 2 » في المخطوطتين : « وأنّ سبب » ، والظاهر أنّ الواو زائدة ، وأضفنا ما بين المعقوفين ليكون جواباً لقوله : « إذا تأمّلت » .