الشهيد الثاني

802

رسائل الشهيد الثاني ( ط . ج )

وجه لا يَتَصَرّمُ بتصرّم الأحقاب « 1 » ، ولا يفنى بفناء الآباد ، بل لو قدّرنا أنّ الدنيا من عِنان السماء إلى تُخوم الأرض مملوءة بالذرّ ، وقدّرنا طائراً يأكل منها في كلّ مائة ألف سنة وأضعاف ذلك حبّةً واحدة ، لفنيتِ الذرّ ولم ينقص من أبد الآباد شيء . فجدير أنْ تغتنم تحصيل ذلك ، وتشمّر عن ساق الجدّ فيه في أيّام هذه المهلة اليسيرة التي لا يمكن حصوله في غيرها ، و [ في ] كلّ نَفَس من الأنفاس يمكن تحصيل كنز من كنوزه . فما أجدرَ هذا حثّا على طلبه ! وأقبحَ الفتورَ عنه بعد اعتقاد وجوده ، الذي لا يَسَعُ مكلَّفاً الغفلةُ عن اعتقاده ، ولا يتمّ الإيمان بالله تعالى بدون اعتقاده ؛ لأنّه ممّا قد تضافرت به الآيات ، واتّفقت عليه الأنبياء والرسل ، وأجمعت عليه الأُمم على اختلاف أديانها وتباين مذاهبها . وقد رأيتَ ورأينا من جِدّ أهل الدنيا وتعبهم وتحمّلهم للمكاره وتركهم للملاذّ في الحال رجاءً لحصول فائدة في المستقبل ، تزيد « 2 » على ما يفوتهم في الحال زيادة قليلة محدودة مشوبة بالكدورات في زمان حصولها ، منتهية إلى أمد قليل بغير طمع طامعٍ في بقائها ، ولا رجاء جاهل ولا عاقل في دوامها ؛ هذا على تقدير سلامتها عن سوء العاقبة ومغبّةِ العاقل « 3 » وغاية الخسران ، وهو أعزّ من الكبريت الأحمر .

--> « 1 » « الحقب : الدهر ، والجمع أحقاب ، مثل قفل وأقفال ويقال : الحقب : ثمانون عاما » ، ( « المصباح المنير » ص 173 ، « حقب » ) . « 2 » صفة لقوله : « فائدة » . « 3 » « المَغبّة مِن كلّ شيءٍ : عاقبته وآخره . يقال : لهذا الأمر مغبّة ، طيّبة » ( « المعجم الوسيط » ص 642 ، « غيب » ) واعلم أنّ ما أثبتناه هو الوارد في المخطوطتين ، ولعلّ الصواب : « مغبّة التغافل » ونحوها .