محمد بن محمد ابراهيم الكلباسي
462
الرسائل الرجالية
وهو المنقول عن الفارابيّ ، بل المنقول عنه أنّه سئل أنّك كيف تأنس بالفقر والفاقة ولا تأنس بالناس ؟ فأجاب : بأنّي تأمّلتُ ووجدتُ ما فعلتُ أولى . وأمّا الأشعار المذكورة الدالّة على مدح الاعتزال فما كان منها من أمير المؤمنين ( عليه السلام ) - روحي وروح العالمين له الفداء - يقيّد بما كان منها دالاّ على مدح الاعتزال في صورة الإمكان . وأمّا ما كان من غيره ( عليه السلام ) - روحي وروح العالمين له الفداء - فهو من باب الغفلة عن مفسدة الاعتزال ، نظير ما نقله في اللطائف والظرائف ، نقُل من مدح بعض الحكماء بعض الأُمور لبعض المصالح غفلةً عن مصلحة ضدّه ، ونُقل مدح بعض آخَر من الحكماء الضدَّ لمصلحة أُخرى . وأمّا ما دلّ من تلك الأشعار على عدم صِدْق الأصدقاء فهو حقٌّ لا ريب فيه ، لكنّه لا يرتبط بمدح الاعتزال . [ ترك الاستئناس بالناس والاستشهاد بالآيات في المقام ] ويرشد إلى كون علاج الإنسان في ترك الاستئناس بالناس قوله سبحانه حكايةً عن داود - على نبيّنا وآله و ( عليه السلام ) : - ( إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْض إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ ) ( 1 ) حيث إنّ مقتضاه وصول الظلم إلى الشخص ممّن يعاشر معه ، فالتهارب عن الظلم يقتضي ترك المعاشرة مع الناس ، وقد قرّر سبحانه الفقرة المذكورة : ( فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ ) ( 2 ) كيف لا ! والناس بواسطة سوء فطرهم مثل الديوك ، وكلّما تلاقى ديك مع ديك يتعارضان ، ويخرج كلٌّ منهما الآخَر ولو كان ملاقاتهما في . ( 3 )
--> 1 . سورة ص ( 38 ) : 24 . 2 . الذاريات ( 51 ) : 23 . 3 . كذا في " ح " و " د " .