محمد بن عبد المنعم الحميري

208

الروض المعطار في خبر الأقطار

إن الدنيا دار زوال لا تدوم على حال تنتقل بأهلها انتقالاً وتعقبهم بعد حالهم حالاً ، كنا ملوك هذا المصر يجبى إلينا خراجه ويطيعنا أهله ، فلما أدبر الأمر ، صاح بنا صائح الدهر ، فصدع عصانا وشتت ملانا ، وكذلك الدهر يا سعد ليس من قوم بحبرة إلا والدهر يعقبهم عبرة ، ثم أنشأت تقول : فبينا نسوس الناس والأمر أمرنا * إذا نحن فيهم سوقة نتنصف فأف لدنيا لا يدوم نعيمها * تقلب تارات بنا وتصرف فأكرمها سعد رضي الله عنه وأحسن جائزتها ، فلما أرادت فراقه قالت : لا نزع الله تعالى من عبد صالح نعمة إلا جعلك سبباً لردها عليه . وروي أن إسحاق بن طلحة بن عبيد الله دخل على حرقة ابنة النعمان بن المنذر بالحيرة في بيعتها ، وهي في نسوة راهبات فقال لها : كيف رأيت غمرات الملك يا حرقة ؟ قالت : هذا خير مما كنا فيه ، إنا لنجد في الكتاب أنه ليس من بيت يمتلئ حبرة إلا امتلأ عبرة ، وأن الدهر لم يأت قوماً بيوم يحبونه إلا اختبأ لهم يوماً يكرهونه ، وإن على باب السلطان كأشباه الجزر من الفتن ، وإن واحداً لم يصب منهم شيئاً إلا أصابوا من دينه مثله ، قال : فقلت : فكيف صبرك ؟ قال : فأقبلت علي بوجهها ثم قالت : يا سبحان الله ، تسألني عن الصبر ؟ ما ميز أحد بين صبر وجزع إلا أصاب بينهما التفاوت في حالتيهما : أما الصبر فحسن العلانية محمود العاقبة ، وأما الجزع فغير معوض عوضاً مع مأثمه ، ولو كانا رجلين في صورتهما لكان الصبر أولاهما بالغلبة في حسن صورة وكرم طبيعة في عاجلة من الدنيا وآجلة من الثواب ، وكفى ما وعد الله تعالى إذ ألهمناه . قال فقلت : إنا لم نزل نسمع أن الجزع للنساء فلا يجزعن رجل بعدك في مصيبة ، فلقد كرم صبرك ، فقالت : أما سمعت قول الشاعر : فاصبر على القدر المجلوب وارض به * وإن أتاك بما لا تشتهي القدر فما صفا لامرئ عيش يسر به * إلا سيتبع يوماً صفوه الكدر ولم يزل عمران الحيرة يتناقص مذ بنيت الكوفة إلى أيام المعتضد ، فإنه استولى عليها الخراب ، وكان فيها ديارات كثيرة ورهبان لحقوا بغيرها من البلاد لاستيلاء الخراب عليها ، وهم يزعمون أن سعدها سيعود بالعمران . ونزلها جماعة من خلفاء بني العباس لطيب هوائها وصفاء جوهرها وقرب الخورنق والنجف منها . وكانت مدة الحيرة من أول وقت عمارتها إلى أول خرابها عند بناء الكوفة خمسمائة سنة وبضعاً وثلاثين سنة . ولما أقبل خالد بن الوليد رضي الله عنه في سلطان أبي بكر رضي الله عنه بعد فتح اليمامة وقتل كذابها يريد الحيرة تحصن منه أهلها في القصر الأبيض ، وفيه كان إياس بن قبيصة ، وقصر القادسية وقصر بني بقيلة وقصر بني مازن ، وهذه قصور الحيرة ، فنزل خالد بالنجف وبعث إليهم أن ابعثوا إلي رجلاً من عقلائكم ، فبعثوا إليه عبد المسيح بن عمرو بن حسان بن بقيلة الغساني ، وبقيلة هو الذي بنى القصر الأبيض ، ودعي بقيلة لأنه خرج يوماً وعليه ثياب خضر فقال قومه : ما هذا إلا بقيلة ، وعبد المسيح هذا هو الذي أتى سطيحاً فعبر رؤيا الموبذان وارتجاج الإيوان وما كان من ملوك بني ساسان ، فأتى عبد المسيح خالداً وله يومئذ ثلاثمائة سنة وخمسون سنة ، فتجاهل عبد المسيح وأحب أن يريه من نفسه ما يعرف به عنده ، فقال له خالد : من أين أقصى أثرك ؟ قال : من صلب أبي ، قال : فمن أين جئت ؟ قال : من بطن أمي ، قال : فعلام أنت ويحك ؟ قال : على الأرض ، قال : أتعقل ؟ قال : أي والله وأقيد . قال : ابن كم أنت ؟ قال : ابن رجل واحد ، قال : اللهم اخزهم من أهل بلدة فما يزيدوننا إلا عمى ، أسأله عن شيء فيجيبني عن غيره ، قال : لا والله ما أجيبك إلا عن سؤالك ، فسل عما بدا لك ، قال : أعرب أنتم أم نبط ، قال : نبط استعربنا وعرب استنبطنا ، قال : فحرب أم سلم ؟ قال : بل سلم ، قال : فما لهذه الحصون ؟ قال : بنيناها للسفيه تمنعه