محمد بن عبد المنعم الحميري
209
الروض المعطار في خبر الأقطار
حتى يأتي الحليم فينهاه ، قال : كم سنة أتت عليك ؟ قال : خمسون وثلاثمائة ، قال فما أدركت ؟ قال : أدركت سفن البحر ترفأ إلينا في هذا النجف بمتاع الهند والصين ، وأمواج البحر تضرب ما تحت قدمك ، ورأيت المرأة من أهل الحيرة تأخذ مكتلها فتضعه على رأسها لا تزود إلا رغيفاً فلا تزال في قرى عامرة وعمائر متصلة وأشجار مثمرة ومياه عذبة حتى ترد الشام ، وتراها اليوم قد أصبحت يباباً ، وكذلك دأب الله تعالى في العباد والبلاد . فوجم خالد لما سمعه وعرف من هو ، وكان مشهوراً في العرب بصحة العقل وطول العمر ، قال : ومعه سم ساعة يقلبه في يده ، فقال له خالد : يا هذا ما معك ؟ قال : سم ساعة ، فإن يكن عندك ما يسرني ويوافق أهل بلدي قبلته وحمدت الله تعالى عليه ، وإن تكن الأخرى لم أكن أول من ساق إلى أهل بلده ذلاً فآكل السم فأستريح ، قال له خالد : هاته ، فأخذه ووضعه في راحته ثم قال : بسم الله وبالله رب الأرض والسماء ، بسم الله الذي لا يضر مع اسمه شيء ، ثم استرطه فجللته غشية ثم سري عنه وأفاق كأنما أنشط من عقال ، فانصرف العبادي إلى قومه فأخبرهم . بما رأى وقال : يا قوم صالحوهم فإن القوم مصنوع لهم وأمرهم مقبل وأمر بني ساسان مدبر ، وسيكون لهذه الأمة شأن ثم يحدث فيها هنات وهنات ، فصالحوه ، وقال عبد المسيح : أبعد المنذرين أرى سواماً * تروح بالخورنق والسدير وصرنا بعد هلك أبي قبيس * كمثل الشاء في اليوم المطير تقسمنا القبائل من معد * علانية كأيسار الجزور نؤدي الخرج مثل خراج كسرى * وخرج بني قريظة والنضير كذاك الدهر دولته سجال * فيوم من مساءة أو سرور ولما فسر سطيح وشق الكاهنان لربيعة بن نصر ملك اليمن رؤياه التي دلت على خراب سد مأرب وتفرق الأزد في البلاد ، جهز بنيه وأهل بيته إلى العراق بما يصلحهم ، وكتب لهم إلى سابور بن خرزاد ملك فارس فأسكنهم الحيرة ، فمن بقية ولد ربيعة بن نصر النعمان بن المنذر بن النعمان بن المنذر بن عمرو بن عدي بن ربيعة بن نصر . قال أبو بكر بن عياش : كنت وسفيان الثوري وشريك النخعي نتماشى فيما بين الحيرة والكوفة فرأينا شيخاً أبيض الرأس واللحية حسن السمت والهيئة ، فقلنا شيخ جليل قد سمع الحديث وأدرك الناس فملنا نحوه ، فقال له سفيان ، وكان أطلبنا للحديث : يا هذا ، أعندك شيء من الحديث ؟ فقال : أما حديث فلا ولكن عتيق سنين ، فنظرنا فإذا هو خمار . وحكى أبو الفرج الأصبهاني أن سليمان بن بشر بن عبد الملك بن بشر بن مروان قال : كان بعض ولاة الكوفة يذم الحيرة في أيام بني أمية ، فقال له رجل من أهلها وكان عاقلاً ظريفاً : أتعيب بلدة يضرب بها المثل في الجاهلية والإسلام قال : وبماذا تمتدح ؟ قال : بصحة هوائها وطيب مائها ونزهة ظاهرها ، تصلح للخف والظلف ، سهل وجبل ، وبادية وبستان ، وبحر وبر ، محل الملوك ومرادهم ومسكنهم ومثواهم ، وقد قدمتها أصلحك الله ، مخفاً فأصبحت مثقلاً ، ووردتها مقلاً فأصارتك مكثراً ، قال : فكيف يعرف ما وصفتها به من الفضل ؟ قال : تصير إليها ثم ادع بما شئت من لذات العيش ، والله لا أجوز بك الحيرة قال : فاصنع لي صنيعاً وأخرج من قولك ، قال : أفعل ، فصنع لهم طعاماً فأطعمهم من خبزها وسمكها وما صيد من وحشها من ظباء ونعام وأرانب وحبارى ، وسقاهم ماءها في قلالها وخمرها في آنيتها ، وأجلسهم على رقمها ، وكان يتخذ بها من الفرش أشياء ظريفة ثم لم يستخدم لهم حراً ولا عبداً إلا من مولديها ومولداتها من خدم ووصائف كأنهم اللؤلؤ ، لغتهم لغة أهلها ، ثم أقعد معهم حنيناً فغناهم هو وأصحابه في شعر عدي بن زيد شاعرهم وأعشى همدان لم يتجاوزهما ، وحياهم برياحينها ونقلهم على خمرها وقد شربوا بفواكهها ثم قال له : هل رأيتني استعنت على شيء مما رأيت وأكلت وشربت وافترشت وشممت بغير ما في الحيرة ؟ قال : لا والله ولقد أحسنت صفة بلدك وأحسنت نصرته والخروج مما تضمنته ، فبارك الله لكم في بلدكم . وحيرة أيضاً قرية من قرى نيسابور .