محمد بن عبد المنعم الحميري

197

الروض المعطار في خبر الأقطار

أسواق حلب مسقف ، وبحلب جماعة من اليهود ونصارى نسطوريون . قال بعضهم : حلب قدرها خطير ، وذكرها في كل زمن يطير ، لها قلعة شهيرة الامتناع ، معدومة الشبيه والنظير في القلاع ، ويقال إن هذه القلعة كانت في قديم الزمان ربوة يأوي إليها إبراهيم الخليل عليه السلام بغنيمات فيحلبها هنالك ويتصدق بلبنها فلذلك سميت حلب ، وبها مشهد عظيم يقصد الناس التبرك به . ومن فضائل هذه القلعة ماء نابع فيها لا يخاف معه فيها ظمأ ، والطعام يصير فيها الدهر كله ، وعليها سوران دونهما خندق لا يكاد البصر يبلغ مدى عمقه ، وبالجملة القلعة مشهورة بالحصانة والحسن ، وأبراج سور البلد كثيرة جداً وأبراجها كلها مسكونة وكلها طيقان وداخلها المساكن السلطانية والمنازل الرفيعة . والبلد حفيل الترتيب بديع الحسن واسع الأسواق وكلها مسقفة بالخشب فهي في ظلال وارفة ، وقيساريتها حديقة بستان نظافة وجمالاً مطيفة بجامعها ، وجامعها من أحسن الجوامع وأجملها ، وفي صحنه بئران معينان وقد استفرغت الصنعة القرنصية جهدها في منبره فما رؤي في بلد منبر على شكله وغرابة صنعته ، واتصلت الصنعة الخشبية إلى المحراب فتخللت صفحاته كلها حسناً على تلك الصفة الغريبة ، وكل ذلك مرصع بالعاج والأبنوس ، واتصل الترصيع من المنبر إلى المحراب مع ما يليهما من جدار القبلة فتجتلي العيون منها أبهى منظر يكون في الدنيا . وحسن هذا الجامع أكثر من أن يوصف ، ويتصل به من الجانب الغربي مدرسة تناسب الجامع حسناً وإتقان صنعة ، وهذه المدرسة من أحفل ما بني ، وجدارها الشرقي مفتح كله بيوتاً وغرفاً فوقها ولها طيقان يتصل بعضها ببعض ، وقد امتد بطول الجدار عريش كرم مثمر عنباً ، فجعل لكل طاق من تلك الطيقان قسطها من ذلك متدلياً أمامها ، فيمد الساكن فيها يده ويجنيه متكياً بلا مشقة . وفي البلد سوى هذه المدرسة أربع مدارس أو خمس ، وبها مارستان وأمرها في الاحتفال عظيم ، وحسنها كله داخل لا خارج لها إلا نهرها الجاري من جوفها إلى قبليها ويشق ربضها المستدير بها ، لأن لها ربضاً كبيراً فيه من الحمامات ما لا يحصى عدة ، وبهذا النهر الأرحاء وهي متصلة بالبلد ، وبهذا الربض بعض بساتين تتصل بطوله ، وعلى الجملة فهي من بلاد الدنيا التي لا نظير لها . وكانت بحلب ، سنة ست وثلاثين وأربعمائة ، وقيعة عظيمة على ارمانوس الرومي ، وكان قد عسكر عليها في نحو مائة وأربعين ألفاً أتت على أكثرهم ، وأسر فيها نحو سبعة آلاف وخمسمائة من كبارهم وبطارقهم ، وأمير حلب يومئذ شبل الدولة نصر بن صالح بن مرداس الكلابي ، وكانت تجمع له من العرب وكور قنسرين نحو عشرة آلاف ، وكانت الوقيعة على ثلاثة فراسخ من حلب ، وكثرت الغنائم والسبي بأيدي المسلمين حتى بيع الفرس من سبي الروم بسرجه ولجامه بمثقالين ، والغلام منهم بمثقال والجارية بثلاثة مثاقيل . ولبعضهم : حلبت الدهر أشطره * وفي حلب صفا حلبي الحلة : مدينة كبيرة منيفة على شط الفرات يتصل بها من جانبها الشرقي وتمتد بطوله ، وبها أسواق حفيلة جامعة للمرافق المدنية والصناعات الضرورية ، وهي قوية التجارة كثيرة الخلق متصلة حدائق النخل داخلاً وخارجاً ، ولها جسر عظيم معقود على مراكب كبار متصلة من الشط إلى الشط تحف بها من جانبيها سلاسل من حديد كالأذرع المفتولة عظماً وضخامة تربط في خشب في كلا الشطين ، والطريق من الحلة إلى بغداد أحسن طريق وأجملها من بسائط وعمائر تتصل بها القرى يميناً وشمالاً ، وبين هذه البسائط مذانب من الفرات تسقيها ، وللعين في ذلك مسرح وانشراح .