محمد بن عبد المنعم الحميري
198
الروض المعطار في خبر الأقطار
حمص : مدينة بالشام من أوسع مدنها ، ولا يجوز فيها الصرف كما يجوز في هند لأنه اسم أعجمي ، سميت برجل من العمالق يسمى حمص ، ويقال رجل من عاملة ، هو أول من نزلها ، ولها نهر عظيم يشرب منه أهلها . وهي مدينة حسنة في مستو من الأرض وهي عامرة بالناس ، والمسافرون يقصدونها بالأمتعة والبضائع من كل فن ، وأسواقها قائمة وخصبهم تام ومعايشهم رقيقة ، وفي نسائهم جمال وحسن بشرة ، وشرب أهلها من ماء يأتيهم في قناة على مرحلة منها مما يلي دمشق ، والنهر المسمى بالمقلوب يجري على بابها بمقدار رمية سهم ، ولهم عليه قرى متصلة وبساتين وأشجار وأنهار كبيرة ، ومنها تجلب الفواكه إلى المدينة ، وكانت من أكثر البلاد كروماً فتلف أكثرها ، وثراها طيب للزراعات وهواؤها أعدل هواء يكون بمدن الشام ، وهي مطلسمة لا تدخلها حية ولا عقرب ومتى أدخلت على باب المدينة هلكت على الحال . وبها على القبة العالية الكبيرة التي في وسطها صنم نحاس على صورة الإنسان الراكب يدور مع الريح كيف ما دارت ، وفي حائط القبة حجر عليه صورة عقرب فإذا جاز إنسان ملدوغ أو ملسوع طبع ذلك الحجر الطين الذي يكون معه ثم يضع الطين على اللسعة فيبرأ للحين . وجميع أزقتها وطرقها مفروشة بالحجر الصلد ، وزراعاتها مباركة كثيرة ، وهي تكتفي باليسير من المطر أو السقي ، وبها مسجد جامع كبير من أكبر جوامع الشام ، ومنها إلى حلب خمس مراحل . وافتتحها أبو عبيدة بن الجراح صلحاً سنة أربع عشرة في خلافة عمر رضي الله عنه ، وذلك أنه لما تم الصلح بينه وبين أهل بعلبك وكتب لهم كتاباً ، خرج نحو حمص فجمع له أهلها جمعاً عظيماً ثم استقبلوه بجومية فرماهم بخالد بن الوليد رضي الله عنه ، فلما نظر إليهم خالد قال : يا أهل الإسلام الشدة الشدة ، ثم حمل عليهم خالد وحمل المسلمون معه فولوا منهزمين حتى دخلوا مدينتهم ، وبعث خالد ميسرة بن مسروق فاستقبل خيلاً لهم عظيمة عند نهير قريب من حمص فطاردهم قليلاً ثم حمل عليهم فهزمهم ، وأقبل رجل من المسلمين من حمير يقال له شرحبيل فعرض له منهم فوارس فحمل عليهم وحده فقتل منهم سبعة ، ثم جاء إلى نهر دون حمص مما يلي دير مسحل فنزل عن فرسه فسقاه ، وجاءه نحو من ثلاثين فارساً من أهل حمص فنظروا إلى رجل واحد وأقبلوا نحوه ، فلما رأى ذلك أقحم فرسه وعبر الماء إليهم ، ثم ضرب فرسه فحمل عليهم فقتل أول فارس ثم الثاني ثم الثالث ثم الرابع ثم الخامس ثم انهزموا وتبعهم وحده ، فلم يزل يقتل واحداً واحداً حتى انتهوا إلى دير مسحل وقد صرع منهم أحد عشر رجلاً فاقتحموا جوف الدير واقتحم معهم فرماه أهل الدير بالحجارة حتى قتلوه رحمه الله ، وجاء ملحان بن زياد وعبد الله بن قرط وصفوان بن المعطل إلى المدينة فأخذوا يطيفون بها يريدون أن يخرج إليهم أهلها فلم يخرجوا ، وجاء المسلمون حتى نزلوا على باب الرستن فزعم النضر بن شفي أن رجلاً من آل ذي الكلاع كان أول من دخل مدينة حمص ، وذلك أنه حمل من جهة باب الرستن فلم يرد وجهه شيء فإذا هو في جوف المدينة ، فلما رأى ذلك ضرب فرسه فخرج كما هو على وجهه ، ولا يرى إلا أنه قد هلك حتى خرج من باب الرستن فإذا هو في عسكر المسلمين . وحاصر المسلمون أهل حمص حصاراً شديداً فأخذوا يقولون للمسلمين : اذهبوا نحو الملك فإن ظفرتم به فنحن كلنا لكم عبيد ، فأقام أبو عبيدة رضي الله عنه على باب الرستن بالناس وبث الخيل في نواحي أرضهم فأصابوا مغانم كثيرة وقطعوا عنهم المادة والميرة ، واشتد عليهم الحصار وخشوا السبي فأرسلوا إلى المسلمين يطلبون الصلح ، فصالحهم المسلمون وكتبوا لهم كتاباً بأمان على أنفسهم وأموالهم وكنائسهم وعلى أن يضيفوا المسلمين يوماً وليلة وعلى أن على أرض حمص مائة ألف دينار وسبعين ألف دينار ، وفرغوا من الصلح وفتحوا باب المدينة للمسلمين فدخلوها وأمن بعضهم بعضاً . وقال أدهم بن محرز بن أسد الباهلي : أول راية دخلت أرض حمص ودارت حول مدينتها راية ميسرة بن مسروق ، ولقد كانت لأبي أمامة راية ولأبي راية ، وإن أول رجل من المسلمين قتل رجلاً من المشركين لأبي وإني أول مولود بحمص وأول مولود فرض له بها وأول من رمى فيها بيده ، كنت أختلف إلى الكتاب ، ولقد شهدت صفين وقاتلت .