السيد لطيف القزويني
65
رجال تركوا بصمات على قسمات التاريخ
على الرغم من ندم الخليفة عمر على تعطيله لحكم الله ، وعلى إلغائه لسنة رسول الله ، وإعلانه صراحة لهذا الندم ، واعترافه بخطأ ما فعل أو اجتهد برأيه : فإنهم بعد مماته أخذوا يزدادون بحب الرجل ، ويلتمسون له أعذارا عجيبة لا يقرها العقل ! ! . يقول القوشجي في معرض اعتذاره عن رفع سنة الله التي تأمر بالمساواة بين الناس في العطاء ، وإعطاء خمس الخمس لبني هاشم وبني عبد المطلب ، وإحلال سنة عمر التي تقضي بالمفاضلة بدلا من المساواة بين الناس ، ومنع الهاشميين حقهم ، يقول : . وأجيب عن هذه الوجوه بأن ذلك ليس مما يوجب قدحا فيه ، فإنه من قبيل مخالفة المجتهد لغيره في المسائل الاجتهادية ( 1 ) ! ! . عندما آلت الخلافة إلى عمر قرر العدول عن اجتهاد الرسول ، وإيجاد اجتهاد بديل عنه ، رأى ، عمر أنه أفضل ! ! وهذا العمل لا يشكل قدحا في عمر بأي وجه من الوجوه : لأنه من قبيل مخالفة مجتهد ( وهو عمر ) لمجتهد آخر وهو ( رسول الله ) ! ! ولا حرج على عمر من مخالفته لرسول الله ، لأن كليهما مجتهد ! ! ! ( 2 ) . قال ابن أبي الحديد : لم يخرج عمر بحكمه عن طريق الاجتهاد ، وما أدى إليه اجتهاده ! ! وقال في معرض اعتذاره عن تخلف أبي بكر وعمر عن جيش أسامة : إن الرسول كان يبعث السرايا عن اجتهاد لا عن وحي يحرم مخالفته ( 3 ) وباختصار ، لقد تحولت تلك الإشاعة إلى قناعة عامة ، وصار الرسول مجرد مجتهد ، ليس إلا ، ومن حق الخليفة في أي زمان - حسب رأيهم - أن يأتي باجتهاد يغاير اجتهاد الرسول ، ويبدو أن مزية التنافس بين النبي المجتهد وبين غيره محصورة بالخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر خاصة ، وعثمان بدرجة أقل ، وبمستوى أدنى ملوك بني أمية ، بوصفهم صحابة كرام ! ! ! . وأخيرا برأيهم أن النبي ( ص ) مجتهد ، والقاعدة العامة تقول : إن المجتهد مأجور أخطأ أم أصاب ، والفرق أن المصيب له أجران وللمخطئ أجر واحد ، ومن حق المجتهد ، أي مجتهد كان ، أن يخالف مجتهدا آخر ! ! ( 4 ) . والأهم من ذلك أن الاجتهاد وارد حتى في العبادات - حسب رأيهم - ، فزيادة الأذان الثالث
--> 1 - شرح التجريد للقوشجي ص 408 . 2 - شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 153 و 3 / 80 . 3 - شرح النهج لابن أبي الحديد 2 / 153 و 3 / 80 . 4 - شرح التجريد للقوشجي ص 408 ، وشرح النهج لابن أبي الحديد 4 / 178 و 2 / 153 و 3 / 180 ومنهاج السنة لأبي تيمية 3 / 203 وتاريخ ابن كثير 14 / 135 ومنهاج السنة 3 / 139 والصواعق المحرقة لابن حجر ص 112 .