أبي طالب المكي

93

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

أشدّ عبادة منهم فقال : لأي شيء تعبدتم ؟ قالوا : شوّقنا الله إلى الجنان وما أعدّ فيها لأوليائه فنحن نرجو ذلك . فقال : حق على الله أن يعطيكم ما رجوتم . ثم جاوزهم فمرّ بآخرين يتعبّدون فقال : ما أنتم ؟ قالوا : نحن المحبون لله ، لم نعبده خوفا من ناره ولا شوقا إلى جنة ولكن حبّا له وتعظيما لجلاله فقال : أنتم أولياء الله حقّا ، معكم أمرت أن أقيم فأقام بين أظهرهم . وفي لفظ آخر أنه قال للأوّلين : مخلوقا خفتم ومخلوقا أحببتم . وقال لهؤلاء : أنتم المقربون . وممن روى عنه هذا القول وأقيم في هذا المقام جماعة من التابعين بإحسان منهم : أبو حازم المدني كان يقول إني لأستحي من ربّي أن أعبده خوفا من العقاب ، فأكون مثل العبد السوء إن لم يعط أجر عمله لم يعمل ، ولكن أعبده محبة له . وقد روينا معنى هذا الكلام عن النبي صلى الله عليه وسلم : لا يكون أحدكم كالعبد السوء ، إن خاف عمل ، ولا كالأجير السوء إن لم يعط أجرا لم يعمل . وقال بعض إخوان معروف له : أخبرني عنك أي شيء أحاجك إلى العبادة والانقطاع عن الخلق ؟ فسكت فقلت : ذكر الموت ؟ فقال : وأي شيء الموت ؟ قلت : ذكر القبر والبرزخ فقال : وأي شيء القبر ؟ فقلت : خوف النار ورجاء الجنة فقال : وأي شيء هذا ؟ إنّ واحدا بيده هذا كله إن أحببته أنساك جميع ذلك ، وإن كانت بينك وبينه معرفة كفاك جميع هذا . وحدثت عن عليّ بن الموفق قال : رأيت في النوم كأني أدخلت الجنة ، فرأيت رجلا قاعدا على مائدة وملكان عن يمينه وشماله يلقمانه من جميع الطيبات وهو يأكل . ورأيت رجلا قائما على باب الجنة يتصفّح وجوه قوم ، فيدخل بعضا ويرد بعضا . قال : ثم جاوزتها إلى حظيرة القدس ، فرأيت في سرادق العرش رجلا قد شخص ببصره ينظر إلى الله عزّ وجلّ لا يطرف ، فقلت لرضوان : من هذا ؟ فقال : معروف الكرخي عبد الله لا خوفا من ناره ولا شوقا إلى جنته بل حبّا له ، فقد أباحه النظر إليه إلى يوم القيامة . قلت : فمن الآخران قال : أخواك بشر بن الحرث وأحمد بن حنبل . وهذا مقام الأبدال من الصدّيقين ، لا يقامون مقام أبدال الأنبياء ولا يعطون منازل الشهداء ، حتى تغلب محبة الله على قلوبهم في كل حال فيتألهون إليه ، ويذهلون به عن غيره وينسون في ذكره من سواه . فيعبدونه لأجله صرفا ، وهم ، المقربون ونعيمهم في الجنان صرف ، ويمزج لأهل المزج وهم أصحاب اليمين . كما قال تعالى في وصف نعيمهم : * ( إِنَّ الأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ . عَلَى الأَرائِكِ يَنْظُرُونَ . تَعْرِفُ في وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ . يُسْقَوْنَ من رَحِيقٍ مَخْتُومٍ ) * [ المطففين : 22 - 23 - 24 - 25 ] . ثم قال في نعت شراب المقربين ومزاجه ، يعني مزاج شراب الأبرار : من تسنيم عينا يشرب بها المقرّبون ، أيّ يشربها المقرّبون صرفا . ويمزج لأصحاب اليمين ، فما طال