أبي طالب المكي
94
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
شراب الأبرار إلا بمزاج شراب المقربين ، فعبّر عن جمع نعيم الجنان بالشراب ، كما عبّر عن العلوم والأعمال بالكتاب . فقال في نعت الأبرار مثله ، أنّ كتاب الأبرار لفي عليين . ثم قال : يشهده المقربون ، فما حسن علمهم ولا صفت أعمالهم ، ولا علا كتابهم إلَّا بشهادة المقربين لما قرب منهم وحضروه . كذلك كانوا في الدنيا تحسن علومهم بعلمهم وترتفع أعمالهم بمشاهدتهم ، ويجدون المزيد في نفوسهم بقربهم منهم . كما بدأنا أول خلق نعيده . وقال تعالى : * ( جَزاءً وِفاقاً ) * [ النبأ : 26 ] ، أي وافق أعمالهم . وقال تعالى : * ( سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ ) * [ الأنعام : 139 ] ، أي كوصفهم في الدنيا إنّه حكيم عليم ، فمن كان في هذه الدار نعيمه طيبات الملك ، فكذلك غدا يكون الملك نعيمه . ومن كان فيها نعيمه وروحه بالطيب الملك ، فهو غدا في مقعد صدق عند مليكه . كما قال أبو سليمان الداراني : من كان اليوم مشغولا بنفسه فهو غدا مشغول بنفسه ومن كان اليوم مشغولا بربه فهو غدا مشغول بربّه . وقد روينا عن رابعة العدوية وكانت إحدى المحبين ، وكان الثوري يقعد بين يديها ويقول : علَّمينا مما أفادك الله من ظرائف الحكمة ، وكانت تقول : نعم الرجل أنت لولا أنّك تحب الدنيا . وقد كان رحمه الله زاهدا في الدنيا عالما ، إلَّا إنّها كانت تجعل إيثار كتب الحديث والإقبال على الناس من أبواب الدنيا . وقال لها الثوري يوما : لكل عبد شريطة ولكل إيمان حقيقة ، فما حقيقة إيمانك ؟ فقالت : ما عبدت الله خوفا من الله ، فأكون كالأمة السوء إن خافت عملت ، ولا حبّا للجنة فأكون كأمة السوء إن أعطيت عملت ، ولكني عبدته حبّا له وشوقا إليه . وروى عنها حمّاد بن زيد أنها قالت : إني لأستحي إن أسأل الدنيا من يملكها ، فكيف أسألها من لا يملكها ، وكان هذا جوابا لأنّه قال لها : اذكري لي حوائجك حتى أقضيها . وخطبها عبد الواحد بن زيد فقالت : يا شهواني اطلب شهوانية مثلك ، أي شيء رأيت في من آلة الشهوة ؟ وخطبها محمد بن سليمان أمير البصرة على مائة ألف وقال لي : غلة عشرة آلاف في كل شهر أدفعها إليك ، فكتبت إليه : ما يسرني أنك لي عبد وأنّ كل ما تملكه لي وأنك شغلتني عن الله طرفة عين ، وقد قالت : في معنى المحبة أبياتا تحتاج إلى شرح ، حملها عنها أهل البصرة وغيرهم ، منهم جعفر بن سليمان الضبعي وسفيان الثوري وحماد بن زيد وعبد الواحد بن زيد : أحبّك حبين : حب الهوى * وحبّا لأنك أهل لذاكا فأما الذي هو حب الهوى * فشغلي بذكرك عمن سواكا وأما الذي أنت أهل له * فكشفك للحجب حتى أراكا فلا الحمد في ذا ولا ذاك لي * ولكن لك الحمد في ذا وذاكا