أبي طالب المكي
70
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
طريق فعبث بشيء فنحاه من مكان إلى مكان آخر فقال له العارف : ما ذا صنعت ؟ أحدثت في الملك حدثا عن غير ضرورة ولا سنّة ، ولا تصحبني أبدا فلو لم يكن لنا من الذنوب إلا هذه الأشياء لقد كان كافيا ، وفوق ذلك تهاوننا بها وأعظم من ذلك ترك التوبة والاستغفار منها ، وأعمال طلاب الرضا من الله مضاعفة على أعمال المجاهدين في سبيل الله لأن أعمال المجاهدين تضاعف إلى سبعمائة ضعف ، وتضعيف طالبي الرضا لا تحصى . قال الله تعالى : * ( والله يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ ) * [ البقرة : 261 ] ، وقال تعالى : * ( فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً ) * [ البقرة : 245 ] . قيل : الحسنة إلى ألفي ألف حسنة . وقد قال سبحانه : * ( ومَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمُ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ الله وتَثْبِيتاً من أَنْفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ ) * [ البقرة : 265 ] . فكم في هذه الجنة من سنبلة وحبة . فهؤلاء الذين قال : والله يضاعف لمن يشاء هم أهل الرضا عنه ، وهم الذين أقرضوا الله قرضا حسنا لأجله لمضاعفته لهم أضعافا كثيرة . فمن عقل عن الله حكمته كان مع الله تعالى فيما حكم مسلما له ما شهد ، لأنه سبحانه باختياره أنشأ الأشياء ، وبمشيئته أبداها وعنه يتصرف المقدور وإليه عواقب الأمور ، لا يكون مع نفسه فيما يهواه ولا مع معتاده وعرفه فيما يعقل . وقال بعض العارفين : قد نلت من كل مقام حالا إلَّا الرضا ، فما لي منه إلا مشام الريح ، وعلى ذلك لو أدخل الخلائق كلهم الجنة وأدخلني النار لكنت بذلك راضيا . وقيل لعارف فوقه : نلت غاية الرضا عنه فقال : الغاية لا ، ولكن مقام من الرضا قد نلته حتى لو جعلني جسرا على جهنم يعبر الخلائق علي إلى الجنة ، ثم ملأ بي جهنم تحلة لقسمه وبدلا من خليقته لأحببت ذلك من حكمه ، ورضيت به من قسمه . وحدثونا عن الروذباري قال : قلت لأبي عبد الله بن الجلاء الدمشقي قول فلان : وددت أنّ جسدي قرض بالمقاريض ، وأنّ هذا الخلق أطاعوه . ما معناه قال : يا هذا ، إن كان من طريق الإشفاق على الخلق والنصح فأعرف ، وإن كان من طريق التعظيم والإجلال فلا أعرف ، قال ثم غشى عليه . وقد كان عمران بن حصين استسقى بطنه فلبث ملقى على ظهره ثلاثين سنة سطحيا ، لا يقوم ولا يقعد . قد نقب له في سرير من جريد كان تحته موضعا لغائطه وبوله ، فدخل عليه مطرف أو أخوه العلاء فجعل يبكي لما يرى من حاله ، فقال : لم تبكي ؟ فقال لأني أراك على هذه الحال العظيمة فقال : لا تبكي فإنّ أحبه إليّ أحبه إلى الله ثم قال : أحدثك شيئا لعل الله أن ينفعك به ، واكتم عني حتى أموت أنّ الملائكة تزورني فآنس بها ، وتسلَّم علَّي فأسمع تسليمها . أراد عمران رحمه الله بذلك أن يعلم أنّ هذا البلاء ليس بعقوبة : لأن مثل هذه الآية إنما هو درجة ورحمة ، وبلاء العقوبات لا يكون معه الآيات ولا يوجد عنده الحلاوات ،