أبي طالب المكي
71
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
ولا مزيد القلوب من نسيم ريحان الغيوب ولأنه كان حزن عليه فأراد أن يبشره : فلا تذكر الحبيب ولا حب لقاء الطبيب . كما أنشد بعض المحبين : با حبيبا بذكره نتداوى * وصفوه لكل داء عجيب من أراد الطبيب سرّ إذا * اعتلّ اشتياقا إلى لقاء الطبيب من أراد الحبيب سار إليه * وجفا الأهل دونه والقريب ليس داء المحب داء يداوي * إنما برؤه لقاء الحبيب قال : ودخلنا على سويد بن شعبة نعوده ، فرأينا ثوبا ملقى فما ظننّا أنّ تحته شيئا حتى كشف ، فقالت له امرأته : أهلي فداؤك ما نطعمك ما نسقيك فقال : طالت الضجعة ودبرت الحراقيف وأصبحت نضوا لا أطعم طعاما ولا أسيغ شرابا منذ كذا ، فذكر أياما ثم قال : وما يسرني أني نقصت من هذا قلامة ظفر . واعتلّ حذيفة علَّة الموت فجعل يقول : أخنق خناقك فو عزتك أنك لتعلم أنّي أحبك ، فلما حضره الموت جعل يقول : حبيب جاء على فاقة لا أفلح من ندم . وروى أيضا مثل هذا عن أبي هريرة ، ولما قدم سعد إلى مكة وكان قد كفّ بصره جاءه الناس يهرعون ، كل واحد يسأله أن يدعو له فيدعو لهذا ولهذا ، وكان مجاب الدعوة ، دعا له رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك . قال عبد الله بن السائب : فأتيته وأنا غلام فتعرفت إليه فعرفني وقال : أنت قارئ أهل مكة ؟ قلت : نعم ، فذكر قصة قال في آخرها فقلت له : يا عم ، أنت تدعو للناس فلو دعوت لنفسك فردّ الله عليك بصرك ، فتبسم ثم قال : يا بني ، قضاء الله عندي أحسن من بصري . وقال إنّ بعض هذه الطائفة ضاع ولده وكان صغيرا ثلاثة أيام لا يعرف له خبرا فقيل له : لو سألت الله أن يرده عليك فقال : اعتراضي عليه فيما قضى أشدّ من ذهاب ولدي . وقد روينا عن بعض العباد أنه قال : أذنبت ذنبا فأنا أبكي عليه منذ ثلاثين سنة ، وكان قد اجتهد في العبادة لأجل التوبة من ذلك الذنب قيل له : وما هو قال : قلت مرة لشيء كان : ليته لم يكن . وقال بعض السلف : لو قرض جسمي بالمقاريض كان أحبّ إليّ من أن أقول لشيء قضاه الله : ليته لم يقضه . وحدثونا عن بشر الحافي قال : رأيت بعبادان رجلا قد قطعه البلاء وقد سالت حدقتاه على خديه ، وهو في ذلك كثير الذكر عظيم الشكر لله ، قال وإذا هو قد صرع من حبه به قال : فوضعت رأسه في حجري وجعلت أسأل الله عزّ وجلّ كشف ما به ، وأدعو له . فأفاق فسمع دعائي فقال : من هذا الفضولي الذي يدخل بيني وبين ربي ويعترض عليه في نعمة عليّ ؟ قال ونحى رأسه . قال بشر فاعتقدت أن لا أعترض على عبد في نعمة أراها عليه من البلاء . وقيل لعبد الواحد ابن زيد : هاهنا رجل قد تعبد خمسين سنة فقصده فقال : حبيبي أخبرني عنك هل قنعت