أبي طالب المكي
64
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
والسمع يخرج إلى النظر . والرضا هو حال الموفق ، واليقين هو حقيقة الإيمان . وإلى هذا ندب النبي صلى الله عليه وسلم ابن عباس في وصيته له فقال : اعمل لله باليقين في الرضا ، فإن لم يكن فإن في الصبر على ما تكره خيرا كثيرا ، فرفعه إلى أعلى المقامات ثم ردّه إلى أوسطها . كذلك قال لابن عمرو : اعبد الله كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك ، فند المشاهدة وهو الإحسان لأنه سأل : ما الإحسان ؟ قال : تعبد الله كأنك تراه . ثم ردّه إلى الصبر والمجاهدة وهو الإيمان . وهذا مكان العلم لأنّ الله يراه ، وليس بعد هذا مكان يوصف . وقد رفع الله تعالى الرضا منه فوق ما أعطي من النظر . ففي الخبر أنّ الله تعالى يتجلَّى للمؤمنين فيقول : سلوني . فيقولون : رضاك . فسؤالهم الرضا بعد النظر تفضيل عظيم للرضا ، ولأن بالرضا دام لهم النظر لما كان الرضا موجب النظر . سألوا دوام الرضا ليدوم القرب والنظر ، فسألوه تمام النعمة من حيث بدايتها . ولا يصلح أن يظهر في معنى قولهم : رضاك أكبر من هذا . ولا يرسم في كتاب حقيقة الأمر لأنّه على كشف وصف من صفات الذات ، يوجب على العبد هيبة الربوبية . وخوف هذا عن القلوب محجوب وحكمه من سرائر الغيوب . وهذا في الدنيا ثواب لأهل الخشية عن معرفة خاصية . قال الله سبحانه : * ( رَضِيَ الله عَنْهُمْ ورَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ ) * [ البينة : 8 ] . وقال بعض المفسرين في قوله تعالى : * ( ولَدَيْنا مَزِيدٌ ) * [ ق : 35 ] . قال : يأتي أهل الجنة في وقت المزيد ثلاث تحف من عند رب العالمين : أحدها هدية من عند الله ليس عندهم في الجنان مثلها ، وذلك قوله تعالى : * ( فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ من قُرَّةِ أَعْيُنٍ ) * [ السجدة : 17 ] . والثانية السلام عليهم من ربّهم فيزيد ذلك على الهداية ، فهو قوله تعالى : * ( سَلامٌ قَوْلًا من رَبٍّ رَحِيمٍ ) * [ يس : 58 ] . والثالثة يقول الله تعالى إني عنكم راض فيكون ذلك أفضل من الهدية ومن التسليم ، فذلك قوله تعالى : * ( ورِضْوانٌ من الله أَكْبَرُ ) * [ التوبة : 72 ] ، من النعيم الذي هم فيه . وروي أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لطائفة من المؤمنين : ما أنتم ؟ قالوا نحن المؤمنون ، فقال : ما علامة إيمانكم قالوا : نصبر عند البلاء ونشكر عند الرضا ونرضى بمواقع القضاء ، فقال : مؤمنون ورب الكعبة . وفي خبر آخر أنَّه قال : حلماء علماء كادوا من فقههم أن يكونوا أنبياء ، فشهد لهم بالإيمان بعد وصف الرضا . وكذلك جعل لقمان الحكيم الرضا من شرط الإيمان لا يصلح إلا به ، فقال في وصيته : للإيمان أربعة أركان لا يصلح إلا بهنّ ، كما لا يصلح الجسد إلَّا باليدين والرجلين : ذكر منها الرضا بقدر الله وحدثونا في الإسرائيليات أنّ عابدا عبد الله دهرا طويلا ، فرأى في المنام فلانة الراعية رفيقتك في الجنة ، فسأل عنها إلى أن وجدها ، فاستضافها ثلاثا لينظر إلى عملها فكان يبيت قائما وتبيت نائمة ، ويظل صائما وتظل